15 تشرين الأول 2019
لا عسكريين في السجون السورية
النهار-غسان حجار


لا عسكريين في السجون السورية

ذات يوم، أراد الرئيس ميشال سليمان في مطلع رئاسته ان يسجل إنجازا، فحمل معه الى دمشق للقاء الرئيس السوري بشار الاسد، ملفا ورقيا، على غير عادة الرؤساء في القمم، حيث يتحدثون في العموميات والاستراتيجيات، تاركين البحث في الملفات، بعد الضوء الاخضر الرئاسي، لوزراء ومسؤولي استخبارات وأمن واتصال.
شكل ملف الرئيس ميشال سليمان مفاجأة غير سارة للقيادة السورية، إذ تضمن لائحة بأسماء عسكريين فقدوا في 13 تشرين الاول 1990 في قصر بعبدا ووزارة الدفاع. وكان الخطاب السياسي، الذي تبدد لاحقا، يوهم ذويهم بأنهم أسرى في سجون الاقبية السورية، لمزيد من الاستنفار ضد سلطة الوصاية آنذاك. 
فاتح الرئيس سليمان نظيره السوري في الامر. رد عليه الاخير بأن لا عسكريين في سجون النظام، وهو ما يعني ان لا امكان للتفاوض في الملف. لكن وزير الخارجية السوري وليد المعلم، رد في المقابل بأن نحو 2000 سوري مخفي في لبنان منذ زمن الحرب، وان بلادهم ايضا تطلب معرفة مصيرهم. وهي تطالب الرئاسة اللبنانية بالعمل على ذلك. فما كان من الرئيس سليمان إلا أن أجابه، وسط ذهول الوزراء والوفد المرافق، بأن مسؤولية لبنان معدومة في هذا المجال، اذ ان السوري كان مسؤولا عن الامن في لبنان، اضافة الى ميليشيات لا تخضع لسلطة الدولة، وبالتالي فإن المسؤولية تتوزع بين "سلطة عنجر" وتلك الميليشيات والاحزاب التي كان بعضها حليفا لعنجر، والبعض الآخر تحالف لاحقا مع دمشق مباشرة، وبالتالي فإن الحصول على اجابات سهل في هذا المجال للسلطة السورية. وانتهى الحديث، واقفل الملف. ولم يجرؤ أحد على فتحه مجددا. 
القصة المنقولة عن مشارك في اللقاء آنذاك، لا تهدف الى وضع الرئيس سليمان في إطار بطولي. فالانقسام الحاد في لبنان لا يفيده سلبا او ايجابا. فالذين يناصبونه العداء اعلنوا موقفهم منه بعد الخطاب الشهير عن "المعادلة الخشبية"، والذين يؤيدونه لن يزيدوا، بل ربما يتناقصون بعدما صار رئيسا سابقا، لكن من الضروري إنصاف الرجل في هذا الموقف، خصوصا أن هذا الملف بقي موضوع مزايدة على الدوام، بل أيضا متاجرة سياسية تكاد تكون رخيصة لأنها تتلاعب بمشاعر الناس وأحاسيسهم. ويمكن متابع حركة أمهات المفقودين في ساحة رياض الصلح ان يلمس حجم المعاناة.
اللجان الوزارية والوطنية المسؤولة عن ملف المفقودين لم تتوصل الى حقيقة لأسباب عدة. راكمت الاوراق والملفات من دون حسم أي من المعطيات. تركت الاهالي "لا معلقين ولا مطلقين". لكن ما يبدو أكيدا، ان لا احياء، ولا اسرى، وان كانت هذه الحقيقة موجعة ومؤلمة، ولا يمكن الاهالي تقبلها بسهولة رغم مرور الزمن على حصول جرائم الخطف والاخفاء. 
وبعد مرور هذا الزمن، لم يعد ممكنا إلا إقفال هذا الملف، ولو على زغل، لانه ايضا بات غير ممكن إبقاؤه مفتوحا، خصوصا ان النظام السوري، ومعه الميليشيات اللبنانية، لم تعترف، ولن تعترف بمسؤوليتها عن تلك الجرائم التي من الضروري ان تصير جزءا من الماضي.

تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة