15 تموز 2020
هل التسييج بالحياد ممكن؟" يسأل داود الصايغ
النهار:

دَاوُدَ الصايغ
هل التسييج بالحياد ممكن؟" يسأل داود الصايغ
لا يتعب داود الصايغ من حب لبنان. همّه الكبير المحافظة على الصيغة اللبنانيّة الفريدة بما فيها من التعدُّد والتنوُّع الثقافي والحضاري، وهو الذي خصَّص "سنوات العطاء كلِّها منذ مطلع شبابي وحياتي المهنيّة إلى اليوم، للتعبير عن إيماني بما سُمّي الصيغة اللبنانيّة" كما يذكر في مقدّمة كتابه الجديد.

مَن لا يعرف الكاتب من قرب، لا يُدرك ألمه العميق لتحوُّل "لبنان الكبير في المئويّة الأولى، بيتاً بدون سياج" كما عنوان كتابه الذي أصدره من "دار سائر المشرق". تُؤلمه مشغرة مسقطه (خصص لها الغلاف) في تحوّلاتها السلبيّة، ويشتاق هناك للأحبّة الذين هاجروا، ويفتقد الأهل والجيران الذين ابتعدوا منذ زمن بسبب الظروف والحروب والصراعات. يرى المشهد مُتبدِّلاً في لبنان الكبير كما في بلدته الصغيرة، لم يعد البلد الذي عرفه. لم يعد لبنان الستّينات والسبعينات، ولم يتطوَّر إيجاباً كما دول العالم. ويعتبر الصايغ أن "لا شعبا قادرا مع دولة مُفكَّكة"، من هنا لا يلقي اللائمة على الشعب اللبناني. 

وإذا كان الحديث السائد حاليّاً هو عن حياد لبنان، فإنّ الصايغ خصّص له مساحة تحت عنوان "هل التسييج بالحياد ممكن؟" وجاء فيه:

"الحياد حلمٌ لن يتحقّق. لن يتحقّق في المدى المنظور، بالرغم من أن غالبيّةً من اللبنانيّين، لعلّها ساحقة، تتمنّى حصوله. تتمنّى حماية لبنان وتجربته وصونه، ما دام ثبت للأقربين وللأبعدين أنّ هذا الوطن مميّز، وأن حمايته واجبة.

إذا كان هنالك من بلدٍ في العالم يُفترض حمايته من العنف، فسيكون لبنان في الطليعة، بالنّظر إلى كلّ ما تقدّم من معالجاتٍ حتّى الآن. ولكن قدره شاء، وبخاصةٍ بعد قيام إسرائيل عام 1948، وتوقيع معاهدة الهدنة معها في السنة التالية، أن يصبح للبنان عدو، هو هذا الكيان الجديد الذي قام على تخومه، وكان من نتائجه الحتمية إقفال الحدود، بعد تدفّق آلاف اللاجئين الفلسطينيين إلى داخله.

بعد ذلك، لم تكن السنوات الاستقلاليّة كلّها هادئة – كما سبق – إلى أن وصلنا في نهاية الألفيّة السابقة وبزوغ الحالية، إلى أن يصبح لبنان مستودعاً للصواريخ، يملكها "حزب الله" في وجه إسرائيل. وهذا الوضع وحده يختصر تعذّر الحياد أو التحييد.

الصعوبة الاولى إذاً أمام هذا النوع من الحياد هي اقتناع الداخل، وفي هذه الظروف بالذات، بتحييد لبنان، ولو عن الصراعات، كما تمّ إقراره بالإجماع في قصر بعبدا، خلال اجتماع هيئة الحوار الوطني في عهد الرئيس ميشال سليمان، وذلك في شهر حزيران 2012، وكما تمّ التنصُّل منه في ما بعد من قِبل "حزب الله".

على ان لبنان كان مُهيّئاً، منذ البدء، للحياد. وله جذورٌ واضحة في مسيرته ومسيرة نظامه، كما سبق في معالجة موضوع علاقته مع الأمم المتّحدة التي تضمّن معظم نصوصها المتعلّقة بلبنان ما ينمّ عن وجود روحٍ فيها لتحييد لبنان.

فبعد صدور هذا القرار عن هيئة الحوار الوطني في بعبدا، جاءت مذكّرة بكركي في مناسبة عيد مار مارون 2014 لتُعطي مسألة الحياد دفعاً جديداً يتجاوز تحييده عن الصراعات إلى النظر في وضع لبنان في الأساس كونه "مجتمعاً مُركّباً"، لا يمكن صونه، وفقاً لتجارب الآخرين المُماثلة، إلّا بنوع من الحياد. ولكن إذا أردنا الاقتراب بصورةٍ واقعيّة وموضوعيّة من مسألة حياد لبنان، فماذا يتبيّن لنا؟

للحياد جذورٌ غير مباشرة في مسيرة لبنان ومسيرة نظام حكمه. وإذا كان البعض رأى في البيان الوزاري الاستقلالي الأوّل لرياض الصلح في 7 تشرين الأول 1943 انطلاقاً لهذه الفكرة، إلّا أنّ ما قاله رياض الصلح "إن إخواننا في الأقطار العربيّة لا يريدون للبنان إلّا ما يريده أبناؤه الأُباة الوطنيّون. نحن لا نريده للاستعمار مُستقرّاً وهم لا يريدونه للاستعمار ممرّاً. فنحن وهم إذاً نريده وطناً عزيزاً مُستقلّاً سيّداً حرّاً". هذا القول لا يمكنه أن يُفسّر على مسافةٍ واحدة بين الشرق والغرب.

لكن الميثاق الوطني لا ينحصر فقط في البيان الاستقلالي الأول، بل إنه مسيرةٌ بدأت في أربعينات القرن الماضي واستمرّت إلى ما بعد الاستقلال. والحديث عن الغرب والشرق جاء على لسان الرئيس الشيخ بشارة الخوري في خطاب له في بشرّي بتاريخ 7 تشرين الأول 1945، حين قال: "لقد نشدناه استقلالاً تجاه الغرب وجميع دول الغرب، وتجاه الشرق وجميع دول الشرق". فهل هذا القول يعني حياداً؟

كان لبنان يومذاك قد انتسب إلى جامعة الدول العربيّة وأقرّ ميثاقها الذي نصّ، بناءً على طلب لبنان، على ألّا تلتزم الدول الأعضاء سوى القرارات المتّخذة بالإجماع، مراعاةً لوضع لبنان. فلقد أقرّ العرب بوضع لبنان الخاص منذ ذلك الحين. خصوصيّته انّه لا يخضع، مثل الدول العربيّة الأخرى، لأكثريّة دينٍ معيّن أو طائفةٍ معيّنة، بل إنّه مجتمع مختلط بشريّاً، ورئيسه مسيحي. واحترم الجميع هذه الخصوصيّة.

الجميع أقرّوا ويُقرّون بأفضال لبنان بالإسهامات العربيّة وبحاجة العرب إلى دوره. إلى أن جاء الزمن السوري بأثقال طموحات نظام الحكم فيه وتحديدٍ مشوّه لعروبته كما سبق في اتّفاق 1985 بأنّه حتميّة التحامه المصيري بسوريا.

تلك النظريّة، ونُردّدها هنا، قادت إلى تغييب سياسة لبنان الخارجيّة ودور لبنان في العالم. وعلى الرغم من ذلك ظهرت خلال 1986 وبشكلٍ بارزٍ فكرة الحياد اللبناني في ذروة الصراع السوري – الإسرائيلي في لبنان، وإمكان سحب الجيشين منه اقتداءً بالتجربة النمسويّة لعام 1955 التي قضت يومذاك، بخروج جيوش الحلفاء منها، بعد سنواتٍ من انتهاء الحرب العالميّة الثانية، وإعلان حيادها بين المعسكرين. لكن الفكرة لم تعمّر طويلاً، إلى أن أذنت الظروف بعد ثلاث سنواتٍ من ذلك التاريخ بالتوصُّل إلى اتفاق الطائف في خريف 1989.

لكن قبل ذلك، قبل الحروب، ظهرت منتصف ستينات القرن الماضي فكرة حياد لبنان عن الصراعات العربية، يوم كانت تلك الصراعات شديدة الاتّقاد، مُنعكسة على لبنان عبر صحافته بخاصة، وبعض أحزابه وقواه السياسيّة، فظهرت سياسة خارجيّة تنأى بلبنان عن صراعات الأنظمة، إلى حدّ أن لبنان قام ببعض الوساطات في هذا الشأن.

إذاً، من بزوغ الميثاق الوطني، إلى مرحلة الستّينات، إلى محاولات زمن الحروب، هنالك هواجس رافقت المراحل اللبنانيّة، في الاهتداء إلى سبل صون لبنان وإبعاده عن حروب الآخرين وخلافاتهم القاتلة. كانت فكرة الحياد في وسطها، فهل يمكن أن يأتي وقتٌ لها؟

حتّى تتقدّم مسألة الحياد في لبنان يجب أن ترافقها الشروط الآتية:

1- لا يمكن أن يُفرض الحياد من الخارج بصورة قانونيّة أو دوليّة. فما لم تتوافر القناعات الداخليّة لا يمكن أي صيغةٍ قانونيّة خارجيّة أن تنجح.

2- الخارج يمكن أن يُساعد، ولكن ليس الغرب وحده، بل العرب أيضاً وأوّلاً. يجب أن يُساعد العرب على تحقيق حياد بلدٍ عربي شقيق، مُنتسب إلى جامعة ومُلتزم ميثاقها، عبر إيجاد صيغةٍ خاصة به، لا تُشبه الصيغة السويسريّة ولا غيرها، بل تنبع من الوضع اللبناني، ومن خلاله محيطه الإقليمي.

3- الحياد يجب ألّا يعني صُلحاً مع إسرائيل. إذ بالرغم من أن دولاً عربيّة عقدت معاهدات سلامٍ مع إسرائيل (مصر، الأردن) وأن الفلسطينيّين أنفسهم في حال تفاوض معها، فضلاً عن إقامة دول عربيّة أخرى علاقات شبه طبيعيّة معها، إلّا أن الحياد لا يعني بالضرورة صُلحاً مع إسرائيل، علماً أن لبنان يجب ألّا يتحمّل من أعباء الصراع معها أكثر من أعباء الآخرين.

4- يجب ألّا يصبح الحياد موضوع انقسام جديد، فريقٌ يرفعه وفريقٌ يرفضه. حينئذٍ يتعرّض للفشل، بل التعامل معه بروح الوفاق، وعدم إدخاله في عوامل الخلافات السياسيّة.

فكيف السبيل إلى كلِّ ذلك؟

القناعات تتكوّن عبر طرق عدّة، ليس فقط برفع شعار الحياد والمطالبة به، بل عبر تكوينه تدريجاً في نفوس الجميع. إذا توصّل الجميع إلى أن مصلحة لبنان هي قبل مصالح الآخرين، يمكن التركيز على الحياد، وإذّذاك يُصبح الحياد عنصر وفاق. فالجميع متّفقون على تسييج البيت، والوجوه كلّها إلى داخله، أفلم يحن بعد أوان التسييج بعد قرنٍ على إنشاء الكيان؟".
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة