16 تموز 2020
حياد لبنان... الزوبعة في فنجان
النهار:

غسان حجار
حياد لبنان... الزوبعة في فنجان
يؤيد كثيرون من الشعب اللبناني ما ذهب اليه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في دعوته الى اعتماد حياد لبنان، وهي الدعوة نفسها التي عمل الرئيس ميشال سليمان على جعلها في صميم "اعلان بعبدا" لعام 2012، بل هي الاعلان في ذاته، والدعوة تتكرر، اذ في عودة الى ارشيف "النهار" دفعنا اليها البروفسور فايز الحاج شاهين، يتبين ان المجلس الاعلى للروم الكاثوليك في اجتماعه بتاريخ 19 آذار 1986، برئاسة البطريرك مكسيموس الخامس حكيم، اقر وثيقة مبادئ اعتبر فيها ان "لبنان يلتزم الحياد ويبتعد عن سياسة المحاور، الا انه يقيم مع سوريا، نظرا الى الواقع الجغرافي، علاقات مميزة ضمن اطار الاحترام المتبادل لاستقلال كل من الدولتين وسيادتها. ولبنان دولة عربية وعضو مؤسس وفاعل في جامعة الدول العربية، يلتزم ميثاقها ويتضامن مع اشقائه العرب في القضايا القومية المصيرية، ويبقي تعاونه معهم على قاعدة الاحترام المتبادل...".

لكن كل الدعوات، بل المحاولات لتحييد لبنان، سقطت امام الواقع المرير لأسباب عدة ابرزها عامل السلاح، وقوى الامر الواقع بلباسها العسكري والمدني، والاحزاب والطوائف المرتبطة بالخارج ارتباطا عضويا او نفعيا او مذهبيا، يجعل هذا الخارج يملي عليها الاوامر المغلّفة بالمصالح الوطنية، فيما هي جزء من الحسابات التي لا تعني لبنان من قريب او بعيد، بل إنها حوّلته على الدوام، ساحة صراعات وتصفية حسابات، بل ساحة لـ"حروب الآخرين على أرض لبنان" كما كان يسميها الكبير غسان تويني. 

هل الدعوة ميؤوس منها؟ لا بالتأكيد. واهميتها في انها لم تمت منذ زمن بعيد، بل إنها تلقى الصدى الايجابي كلما طرحت مجددا، وتجد الإقبال على تبنّيها، ولعل محطتها الابرز كانت في "اعلان بعبدا" الذي جعل منها وثيقة رسمية تبنّاها العالم المؤيد للبنان الحر، ولم يعد ممكناً التغاضي عنها، وإنْ عمل العهد على ازالة لوحتها من صالون القصر الرئاسي، ونقلها الى المستودع. 

واذا كانت الدعوة غير ميؤوس منها، فلماذا القول إنها زوبعة في فنجان؟ للأسباب الآتية:

اولا: ان الدعوة، كل دعوة، لكي تنجح، تحتاج الى تغطية مرجعيات واحاطة شعبية وتوافق القوى السياسية، وهذه غير متوافرة معاً، اقله في الوقت الحاضر. 

ثانيا: ان الدعوة تلقى معارضة قوية، من القوى السياسية المرتبطة بالخارج القريب، اي النظام السوري، والأبعد منه، اي ايران. والقول ان في اتهام فريق واحد نوعا من الافتئات عليه، ليس صحيحا، لان الحياد الايجابي لم يكن يوما معاداة العالم العربي، الامتداد الطبيعي للبنان، وسوريا منه، بل في صميمه، قبل ان تخرج هي من عباءة هذا العالم. 

ثالثا: لان الدعوة الى تبنّي الحياد، غير واضحة المعالم، ولا يعمل فريق على تهيئة الارضية الصالحة لطرحها، وجذب الآخرين اليها، بل على العكس، فانها تأخذ طابع التحدي الذي يستجلب الرفض. وكلما اعيد التذكير بـ"اعلان بعبدا" يشعر "حزب الله" تحديدا بانه مستهدف اكثر. 

المهم في نداءات البطريرك الراعي انها تثبت الدعوة من زاوية مبدئية ولو كره الكارهون.
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة