14 تموز 2020
الحياد أو لا لبنان
النهار:
علي حمادة
الحياد أو لا لبنان

للمرة الثانية خلال أقل من أسبوعين رمى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في عظتين متتاليتين بـ"صخرة" في المياه اللبنانية الراكدة، ووضع على الطاولة بنداً مركزياً للنقاش في لبنان، عندما دعا المجتمع الدولي إلى إعلان حياد لبنان، بعدما طالب رئيس الجمهورية (حليف "حزب الله") الى العمل على رفع الحصار عن الشرعية اللبنانية. في العظة الأولى كانت القنبلة، ولكن في العظة الثانية تأكد المسار الذي قررت البطريركية المارونية أن تسلكه في المئوية الأولى لولادة الكيان اللبناني، عندما بدا أن الشرعية السياسية والمؤسساتية في لبنان تخلت عن دورها في حفظ الشرعية والكيان، وكان وقع كلام البطريرك قوياً جداً، وإن حاذر الطرفان المعنيان بكلامه، أي "حزب الله" ورئيس الجمهورية الرد عليه، أو الدخول في سجال معه، ولا سيما ان الدعوة الى حياد لبنان هي نقيض طبيعة "حزب الله" كذراع امنية وعسكرية ومليشيوية تابعة للنظام الإيراني في لبنان. كما أن دعوة الراعي المجتمع الدولي الى مساعدة لبنان على استعادة الشرعية، وتطبيق القرارات الدولية معناها ان بكركي ومن خلفها الفاتيكان الذي يبقى في مكان ما "الجبل" الذي تستند إليه بكركي في المحطات الأساسية، قد يئست من القيادات السياسية اللبنانية التي صارت اليوم تتنافس في الاستسلام والرضوخ والإذعان لمنطق القوة الذي يفرضه "حزب الله" بغطاء يلامس الخطيئة الكبرى من رئاسة الجمهورية التي في حمأة همروجتها لـ"استعادة الحقوق المسيحية" سلمت البلاد كلها لـ"حزب الله"، أي حزب "ولاية الفقيه" الذي يمثل مجرد وجوده نقيضاً صارخاً لمعنى لبنان التاريخي والثقافي، والاجتماعي. 

لقد خطا البطريرك الماروني خطوة كبيرة، تجاوزت في قوتها وبعدها العمل الجبار الذي قام به رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان الذي انتزع "اعلان بعبدا" القائم على ضرورة "النأي بالنفس" عن الصراعات في المنطقة، كما انه نجح في تأمين اعتماد النص من مجلس الأمن الدولي. بيد ان تركيز البطريرك على الحياد مهم للغاية، كونه أكثر شمولية، وتوسعاً، وهو لا يستثني إلا الموقف من القضية الفلسطينية، فقط على قاعدة ان لبنان يكون دولة مساندة لا مواجهة. وهذا يعني في مكان ما أن كل أدبيات "حزب الله" ستكون على بساط البحث والنقاش الجدي، وخصوصاً أن سيطرة الحزب المشار اليه على مقدرات البلاد أفضت الى كارثة وخصوصاً ان القيادات في معظمها استسلمت بشكل مهين خلال بحثها عن مكان تحتمي فيه تحت مظلة "حزب الله". وهذه حقيقة مرة عندما نعرف ان قيادات سيادية مركزية، تنازلت حتى عن ادنى مستويات الدفاع عن الكيان، والشرعية، فعطلت "سلاح الموقف"، وتسربلت بصمت أهل الكهف، مديرة ظهرها لما قام ويقوم به "حزب الله" لتغيير وجه البلد وطبيعته، ومستقبل أبنائه.

واليوم سقط لبنان في أزمة مزدوجة: سياسية، ومالية – اقتصادية مخيفة. ففي السياسة ما عاد من المكن إلا لفريق رئيس الجمهورية العامل تحت قيادة "حزب الله" ومن وراءه، التعايش في حكومة واحدة مع الحزب. وما عاد من الممكن ترميم علاقات لبنان مع العالم الخارجي غربياً وعربياً، أكان في السياسة أم في الاقتصاد ما دام ثمّة حزب يشكل أداة عسكرية – أمنية لإيران على الأراضي اللبنانية. ولكن موقف البطريركية المارونية الذي نأمل ان تتوسع مروحته، وأن يسير به الفاتيكان نحو مؤتمر دولي يعلن فيه حياد لبنان نهائياً، وانهاء هذه الحالة الشاذة التي نعيش فيها. وبخلاف ذلك فلبنان زائل، ويا للأسف. 
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة