17 تموز 2020
مبدأ الحياد يحرّك عناوين بارزة في الكواليس السياسية... الرياشي لـ"النهار": آن أوان طرح الاستراتيجية الدفاعية
النهار:

مجد بو مجاهد
مبدأ الحياد يحرّك عناوين بارزة في الكواليس السياسية... الرياشي لـ"النهار": آن أوان طرح الاستراتيجية الدفاعية
يكتسب مصطلح "الحياد" أهمية كبيرة مع مرور الأيام التي تلت مباركته في عظة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، إذ تحمل هذه العبارة ببساطتها وسلاستها عنوان العودة إلى مرحلة سويسرا الشرق، التي ذكرها سيّد بكركي في قوله إن لبنان حيادي بطبيعته وانطلاقته، ويوم لم يكن يتدخل في الصراعات، كان في الخمسينيات والستينيات يعرف بسويسرا الشرق، حيث يتمتع بالنمو والبحبوحة. يتناول الامتحان اللبناني هنا مسألة من يريد بيروت جميلة على هيئة سويسرا من القوى السياسية والشعبية اللبنانية، ومن يريدها من بين الأحزاب الداخلية على شاكلة مشهد فنزويلا؟!
واقعيّاً، أنتجت مواقف البطريرك الراعي الداعية إلى إعلان حياد لبنان نوعين من ردود الفعل. وفي وقت، كان من اللافت التأييد الكبير للطرح الذي تبنّته بكركي شعبيّاً وسياسياً من مرجعيّات وشخصيّات لبنانية متنوعة المشارب، إلّا أن ما يستدعي التوقّف عنده هو الإرباك الذي ساد على مقلب المقرّبين من محور "حزب الله" والهجوم غير المباشر الذي ساقه بعضهم على البطريرك الراعي من بوّابة رفضهم مبدأ الحياد أو عدم تقبّلهم له بالحدّ الأدنى. والأهم أن ترويج بعض الدائرين في فلك محور الممانعة إعلاميّاً إلى أن الحياد مطلب أميركيّ، هو موضوع من شأنه أن يحرج "حزب الله" أكثر، لأن الاعتراف بأن واشنطن تريد للبنان الحياد عن الصراعات، هو تأكيد غير مباشر من قبل المُمانعين أنفسهم - وإن لم يدركوا ما يقولونه - بأن أميركا لا تريد زجّ لبنان في الصراعات وأنها تسعى إلى تأمين حياده؛ ما يؤكّد مجدّداً أن المرض الذي ينهش بلاد الأرز يتمثّل في مخطّط المحور الإيراني الذي يصرّ على خطف لبنان إليه والمقامرة بمصيره من طريق أذرعه وأدواته في المنطقة.

وقد دفع هذا المشهد مناصرين لمبدأ الحياد إلى التساؤل عن حجم الهجوم الذي كان سيتلقّاه الراعي من فلك محور الممانعة، لو أنّ البطريرك طرح مثلاً فكرة انحياز لبنان إلى الدول الصديقة التي لطالما وقفت إلى جانبه، إذا كانت كلمة "حياد" وحدها، قد أنتجت هذا الهجوم المُمانع بتوقيع تغريدات وتعليقات لم توفّر سيّد بكركي على مواقع التواصل الاجتماعي.

ماذا في المعلومات والمعطيات المتوافرة حول حراك الراعي خلال السّاعات الأخيرة، وما دار في فلك زوّاره اللبنانيين الذين يتقاطرون بغزارة تأييداً لمواقف الصرح البطريركيّ؟ علمت "النهار" أن عناوين مهمة تدور في كواليس اللقاءات التي تعقد في الديمان، وقد كانت محلّ نقاش على صعيد أوساط نيابية واسعة، إذ بحث زوّار عدّة مع البطريرك سبل ترجمة مبدأ الحياد وتحدّثوا في الاستراتيجية الدفاعية التي لا بدّ أن تعتبر جزءاً لا يتجزّأ من سبل تطبيق مشروع من هذا النوع. ويتناول البحث أيضاً "إعلان بعبدا" الذي كان حصاد عهد الرئيس ميشال سليمان قبل سنوات. إلى ذلك، كانت نتائج زيارة الراعي إلى القصر الجمهوريّ، محلّ تداول ونقاش على صعيد الأوساط التي أشارت إلى أن النقطة الأساس في محور النقاش الذي دار في بعبدا، كانت حول كيفية بحث موضوع الحياد مع "حزب الله" تحديداً. وعُلم أن البطريرك أخذ على عاتقه مهمّة هذا الموضوع. وتمثّل العنوان الأبرز الذي دار في النقاش في أن الحياد هو أساس حلّ الأزمة اللبنانية، وأن لا حلّ من دون تطبيق الحياد فعلاً لا قولاً، وأن الوضع الاقتصادي يطال الجميع بما في ذلك بيئة "حزب الله"، بما يؤكد ضرورة توصل الجميع إلى هذا الحلّ.

في سياق آخر، لفتت أيضاً زيارة الوزير السابق ملحم الرياشي إلى الصرح البطريركي الصيفيّ ولقائه البطريرك الراعي. وقد ناقش اللقاء الذي عُلم أنه استمر أكثر من ساعة، قضية ضرورة حياد لبنان، وهو الموقف الذي يعكس موقف حزب "القوات اللبنانية" والذي نقلته وفودها إلى الديمان. 

ويقول الرياشي لـ"النهار" إنّ "التحرك الذي يقوم به البطريرك الراعي لمصلحة الحياد، هو التحرك العقلاني والحكيم من دون منازع، لأن لبنان اليوم وبكل أسف هو طرف في اشتباك إيراني - أميركي كبير ويشتدّ يوماً بعد يوم، وقد يكون لبنان في ظل الوهن السياسي في موقفه، ورقة على طاولة المفاوضات المقبلة، ما يمكن أن يجعل منه الخاسر الأكبر"، مضيفاً أن "تحييد لبنان كليّاً عن الصراعات يساهم في حلّ المشكلة اللبنانية اليوم وتنشيط عجلة الدورة الاقتصادية وإعادة الاستثمارات العربية إلى السوق اللبنانية وإبعاد شبح الجوع القادم والمحتّم". 

وردّاً على سؤال حول كيفية حلّ مسألة انغماس "حزب الله" في حروب المنطقة وموضوع السلاح، يجيب الرياشي: "أعتقد أنه آن أوان طرح الإستراتيجية الدفاعية من قبل رئيس الجمهورية لوضع مشروع الحياد اللبناني على قدم وساق وحماية لكلّ مكونات لبنان من الجوع والعوز بما في ذلك بيئة حزب الله. والأهم من كلّ ذلك، أن الحياد الذي نتحدّث عنه هو حياد فاعل وناشط كما وصفه غبطة البطريرك من قصر بعبدا أوّل من أمس، ويدافع عن القضايا المحقة كالقضية الفلسطينية، من دون أن يجعل من لبنان ساحة صراع ومساحة اشتباك مع أي كان". تجدر الإشارة إلى أن الرياشي كان أوّل من تناول قضية الحياد حديثاً، في مقال له نُشر في نيسان الماضي تحت عنوان "الحياد لإنقاذ لبنان".

هل ينجح لبنان في تحقيق مبدأ الحياد، في وقت يتأكد فيه أن هذا العنوان سيكون محلّ تداول أكبر في قابل الأيام؟
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة