21 تموز 2020
البطريرك سحب "ورقة التوت" المسيحية عن سلاح "حزب الله"
النهار:

احمد عياش

البطريرك سحب "ورقة التوت" المسيحية عن سلاح "حزب الله"

لا تزال الحملة التي يقودها "حزب الله" بكل ما لديه من أوراق ضد رأس الكنيسة المارونية على أشدها. لكن هذه الحملة المستمرة حتى الآن، لم تثنِ البطريرك مار بشارة بطرس الراعي عن المضي بالقضية التي رفع لواءها والتي دفعت الحزب الى شن الحملة الصاخبة ضده، ألا وهي قضية حياد لبنان. وأكد البطريرك على مواصلة طرح هذه القضية كما فعل في عظة الأحد قائلاً: "ليس نظام الحياد طرحاً طائفياً أو فئوياً أو مستورداً. بل هو استرجاع لهويتنا وطبيعتنا الأساسية، وباب خلاص لجميع اللبنانيين دونما استثناء".


لم يترك الحزب ورقة لم يستخدمها للرد على البطريرك . لكن السؤال الذي تردد في المنتديات السياسية في عطلة نهاية الاسبوع هو: لماذا أحرج موقف البطريرك "حزب الله" فأخرجه عن طوره بصورة نادرة؟

قيادي في "حركة المبادرة الوطنية" يعلّق عبر "النهار" قائلاً: "إن طلب البطريرك حياد لبنان سحب ورقة التوت المسيحية عن سلاح "حزب الله"، وأنهى مرحلة التغطية العونية لهذا السلاح. فتفاهم "مار مخايل" بين الحزب والعماد ميشال عون سقط بعدما فرض الوصاية الايرانية على البلد بعد انتهاء الوصاية السورية عام 2005". أضاف: "نجح التيار العوني من خلال التسليم لـ "حزب الله" بما يريد في الوصول الى رئاسة الجمهورية، لكنها رئاسة واقعة في أعمق عزلة عربية ودولية. إنها رئاسة قادت لبنان من وضع الدولة الفاشلة الى وضع الدولة المنهارة".

وتابع: "استفاقت الكنيسة، واستفاق مسيحيو لبنان على حجم الكارثة السياسية والاقتصادية والمالية التي أوصل اليها تفاهم مار مخايل عام 2006 ".

وخلص الى القول:"اليوم، إذ تعود الكنيسة الى التذكير بثوابت لبنان وضرورة الدفاع عن الكيان والوطن قبل أن يبتلعه الهلال الفارسي بتفرد طرف او حزب بقراراته السيادية وبالأخص أن المؤسسات الدستورية تتلهى بأشياء كثيرة إضاعة للفرص والوقت بينما المطلوب واحد: إن لبنان و"شعبه العظيم" يستحق رئاسة قادرة على وضع الخطوط الحمر لـ "حزب الله" وغيره. وهذه الخطوط الحمر البديهية وضعها البطريرك الراعي أمام الجميع كثوابت للكنيسة والعيش المشترك كما يحتاج اللبنانيون بسرعة كبيرة الخلاص من حكومة العجز والعقم لأنها صارت تغذي الانهيار بإضاعة الوقت والفرص وانكشاف عجزها عن التقدم في أي مجال".

الآن، ماذا عن الحكومة؟ لم تكن نتائج الإقامة الدائمة لرئيس مجلس الوزراء حسان دياب في السرايا الحكومية منذ نيل حكومته ثقة البرلمان هو التمسك المطلق بهذا المنصب، كما يجاهر دياب باستمرار، بل كذلك القيام بدور الدفاع عن "حزب الله" على كل الصعد، وآخره التماهي مع موقف الحزب من قضية حياد لبنان. فهل أصبحت السراي فرعاً من سرايا المقاومة التي أنشأها الحزب ليضم في صفوفها عناصر من أحزاب حليفة تنفذ سياسته داخلياً؟

بين الطرائف المتداولة في الاوساط السياسية واحدة تقول "ان الاسطول السادس الاميركي الذي يتمركز في البحر الابيض المتوسط لن يتمكن من إخراج رئيس الحكومة من القصر الحكومي إذا ما صدرت له الاوامر ليقوم بذلك"! لكن هذه الطرفة لم تأت من فراغ. فهي عبّرت عن حقيقة رئاسة الحكومة التي آلت الى نفوذ "حزب الله" بشكل لا سابق له منذ تأسيس الحزب في بداية الثمانينات من القرن الماضي. وتقول مصادر نيابية لـ"النهار" ان الرئيس دياب قام بما كان مطلوباً من الرئيس سعد الحريري ولم يفعل. فالأخير، لم يتمكن من البقاء في السرايا بعد اندلاع احتجاجات 17 تشرين الاول الماضي سوى أيام على رغم مطالبة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في إطلالة علنية مباشرة بعد الاحتجاجات بعدم استقالة الحكومة، في حين ان دياب وبعد الانهيار شبه الكامل للبنان يجاهر، بطلب من الحزب، بأنه باق في السراي طويلاً، كما صرّح بذلك من الديمان في عطلة نهاية الاسبوع.

لم يفت المراقبون ملاحظة ان رئيس الحكومة يطبق دفتر شروط بدقة منذ ان جرى اختياره رئيساً للوزراء في بداية العام الجاري. فهو، وفي أكثر من مناسبة منذ أكثر من نصف عام، يتابع سريعا كل ما يطالب به "حزب الله" الحكومة من مواقف سواء بصورة علانية كما جرى بعد قرار الحكومة الالمانية تصنيف الحزب تنظيماً إرهابياً، أو في ما يتعلق بقضية حياد لبنان التي أطلقها أخيراً البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي.


في معلومات من اوساط سياسية ان زيارة دياب للديمان واعلان ما أعلنه من موضوع الحياد هو بطلب من "حزب الله" الذي باشر حملة منذ المؤتمر الحواري الذي انعقد في قصر بعبدا وبرز فيه موقف الرئيس ميشال سليمان الداعي الى الالتزام بـ"إعلان بعبدا" الذي صار وثيقة دولية. فالحزب الذي لم ينته من حملة "تشويه السمعة" بحق رئيس الجمهورية الاسبق حتى انبرى الى شنّ حملة مماثلة مستمرة حتى الآن ضد رأس الكنيسة المارونية وصلت الى حد تسخير كل وسائل التواصل الاجتماعي التي بحوزة الحزب للنيل من البطريرك. وفي موازاة ذلك، انهال الثناء على دياب عبر هذه الوسائل، ومنها ما قاله عبرها احد الذين يصفهم الحزب بمنشده: "كلنا حدك يا حسان".

لا يبدو أن الغرب جاهل لواقع ان رئاسة الحكومة اللبنانية تمثل ورقة بيد "حزب الله". وفي انتظار ما سيحمله وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان الى لبنان منتصف هذا الاسبوع بما يعكس هذا التقييم الغربي، تواظب الولايات المتحدة الاميركية على توجيه الانتقادات للحكومة بطريقة معتدلة بما يعبّر عن أن هناك اولويات في الواقع اللبناني ليس مواجهة التحاق الحكومة بـ"حزب الله". ومثالاً على ذلك، ما صرّح به أخيراً مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر عندما سئل عن دور الولايات المتحدة في المفاوضات اللبنانية مع صندوق النقد الدولي، فأجاب:"لم تفعل الحكومة الكثير لدفع الامور الى الامام. ربما يعود ذلك الى تحالفها مع "حزب الله". 

لا تبدو أوراق "حزب الله" التي زجّ بها ضد البطريرك من القوة التي يتمناها. ولهذا ينفتح باب المواجهة على غاربه. كما ان البطريرك لن يكون وحيداً في قضية حياد هذا الوطن.
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة