21 تموز 2020
طرح الحياد أسقط الاقنعة

موقع القوات:
جورج بو صعب
طرح الحياد أسقط الاقنعة

في سياق التخبط  المصيري الذي يعيشه لبنان، منذ اشتداد الحصار الدولي والعربي عليه، بفعل اصطفاف الدولة اللبنانية عهدا وحكومة الى جانب محور ايران، في المنطقة، وسياسات المواجهة والممانعة والانغلاق، برز طرح غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي حول الحياد كخشبة انقاذ وخلاص للوضع اللبناني، والذي في الواقع اعاد القضية الى جذورها الحقيقية انطلاقا من دور لبنان منذ تأسيسه، وواقع التشوهات التي اصابت اسس وركائز تأسيسه منذ احكام حزب الله وفريقه السياسي الحليف القبضة على زمام السلطة واختطاف الدولة والشعب والشرعية الى مصالح هذا المحور.

اقل ما يمكن ملاحظته من خلال الهجوم الذي شُّن على البطريرك الراعي من ابواق وجمهور ووسائل اعلام الحزب وحلفائه، ان طرح الحياد كشف المستور لجهة رفض فريق محور ايران وحلفائه  اي طرح ينقذ لبنان من قعر المنحدر الذي سقط فيه.

اولا: ثمة خط بياني بين دولة الفاتيكان وبكركي تجلى بعد انحدار الوضع اللبناني وانهياره وخروجه جزئيا عن السيطرة، تمثل في تعبير الكرسي الرسولي عن قلقه العميق من الانهيار الشامل الذي يتعرض له لبنان، في ضوء التقارير الواردة اليه من بيروت.

سارع الفاتيكان الى فتح خطوط اتصال وتباحث مع الفرنسيين والاميركيين والبريطانيين والسعوديين والاوروبيين عامة للبحث في ما يجب القيام به لوقف التدهور المريع، فتلقف غبطة البطريرك الراعي الموقف الجلل واطلق طرحه الثلاثي الابعاد: الحياد، فك الحصار عن الشرعية اللبنانية، والالتزام بالقرارات الدولية والشرعية الدولية.

والبطريرك الراعي وانطلاقا من الدور التاريخي لبكركي كمرجعية وطنية ومسيحية كبيرة، ابلغ الرئيس ميشال عون مرات عدة قلقه على المصير في ضوء اشتداد الازمات الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية والمالية والنقدية بالتزامن مع العقوبات على حزب الله وهيمنته على القرارات السيادية اللبنانية الا انه لم يجد اذان صاغية ومتنبهة الى عمق الانهيار نظرا لكون قرار الدولة مصادر من حزب الله وايران.

ثانيا: الاستنتاج الذي وصل اليه الجميع في الخارج والقسم الاكبر من اللبنانيين في الداخل، ان الشرعية الحقيقية ليست في بعبدا ولا في السرايا الحكومي ولا حتى في مجلس النواب، بل في حارة حريك والضاحية، فطالما ان الحزب يتدخل في شؤون المنطقة العربية والدول الشقيقة ويتهجم عليها ويعاديها ويهاجم العالم اجمع، طالما لا رجاء للبنان بالنهوض من كارثته.

فثمة حقيقة لا يزال حزب الله يكابر في تقبلها، بتورطه في اليمن والعراق وسوريا وحتى في دول العالم كأميركا الجنوبية ودول الخليج العربي، ضد تلك الدول، انما يستجلب على لبنان الويلات التي لم يعد يختلف عليها اثنان على كافة الصعد، فبات لبنان كله المستهدف نتيجة سياسات حزب الله وتدخلاته الاقليمية وانعزاله عن الاشقاء العرب والاصدقاء في العالم.

ثالثا: كما سبق لنا وذكرنا في موقف سابق، بني ميثاق لبنان على فكرة الحيادية والعروبة والاستقلال عن الشرق والغرب، اي ان الحياد مدماك تأسيسي للهوية اللبنانية والكيان اللبناني والشرط الاساسي لانصهار ابنائه في بوطقة وطنية واحدة وهوية لبنانية واحدة.

لكن للأسف جاءت المخالفات والانحرافات تباعا لتشوه هذه المسلمة والثابتة التأسيسية، على عدة مراحل وفي أكثر من محطة، بدأ من العهد الشهابي وصولا الى زمن محور الممانعة بزعامة ايران.

عندما طالب بطريرك الاستقلال الثاني المغفور له البطريرك مار نصرالله بطرس صفير انسحاب السوريين من لبنان واستقلال لبنان الثاني اعتبر كلامه آنذاك موجها ضد حزب الله وفئة معينة، وما لبثت سوريا ان انسحبت من لبنان.

لكن حزب الله اصر على استمرار تبعيتنا والحاقنا بالمحور الاقليمي الممانع، فانتقلنا من احتلال سوري الى احتلال داخلي من نوع اخر واشد صرامة، الا وهو احتلال وكيل للجمهورية الاسلامية الايرانية في لبنان الا وهو الحزب.

عام 2000 خرجت اسرائيل وتحرر الجنوب، وكان لبنان يطالب بتطبيق القرارات الدولية ولا سيما القرار 425، فنفذ القرار، وبقيت الغجر وتلال كفرشوبا ومزارع شبعا، التي وقع خلاف تاريخي على لبنانيتها، الا ان دمشق رفضت الترسيم لإبقاء مبرر لسلاح الحزب، وبالتالي ابقاء لبنان عرضة للتجاذبات والمصالح الاقليمية على حساب امنه واستقراره وسيادته، والى الان لا توافق سورياً على ترسيم الحدود ولا تعترف بلبنانية مزارع شبعا كما يجب وفقا لإجراءات قانونية ودبلوماسية وفنية واضحة.

اصبح واضحا بان المطلوب ان يبقى لبنان ساحة صراع اقليمي ودولي، ومرتبط ارتباطا وثيقا بالصراع الاقليمي، فبعدما تمكنا من فض الترابط في المسار والمصير مع السوريين، وصراعات المنطقة، جاءنا من يعيد ربط البلد بالصراعات الاقليمية والدولية واكثر من ذلك: يجعل لبنان ساحة صراع مفتوح، ممنوع اصلاح نظامه الاقتصادي والمالي، وممنوع بناء قضاء مستقل فيه، وممنوع محاربة الفساد والمفسدين، وممنوع اعتماد سياسة انفتاح على الدول العربية والخليجية والعالم… لان في كل واحدة من هذه الاجراءات اشكالية مضرة بالحزب وبمحوره… يرقى من يطالب ويعمل لتحقيقها الى مرتبة الخائن او العميل.

هذا النهج المعتمد بإبقاء لبنان ساحة مفتوحة ومتفلتة للحزب والمحور الاقليمي الممانع، ادى الى اختطاف لبنان من قبل الحزب واسره مع اشتداد المواجهة الإقليمية والدولية ضد المحور بحيث وصلنا الى معادلة: اما رأس الحزب واما رأس لبنان.

فالساحة المستباحة ليست مضطرة لتحمل وزر المواجهات الاقليمية الدولية، وإذا كان التحجج بانتهاك اسرائيل لسيادتنا، فها هي سوريا تنتهك سيادتها من اسرائيل بتغاضي روسي، كل اسبوع جوا، فاين التصدي للعدوان هناك؟ واين الممانعة؟

رابعا: يجب ان يفهم الحزب ومن وراءه اقليميا انه لم يعد بإمكان لبنان، وقد وصل الى قعر الهاوية، ان يتحمل ايران لاند او حزب الله لاند او ايرانستان في لبنان، فقد راينا كم كلف لبنان ويلات ودمار وحروب وجود فتح لاند ، فلم نتعلم من الماضي؟ ولا سيما منذ الستينات؟

لذلك نرى ان الحياد ممكن، والخطوة الاولى تبدأ بالإقرار الفعلي بالناي بالنفس والعودة الى اعلان بعبدا، كأساس اولي، يبنى عليه حوار وطني جديد للبحث في الحياد، وليس رفضه والتهجم على الطرح جملة وتفصيلاً، من دون مراعاة مصالح وارادة ورؤية قسم كبير من اللبنانيين الذي التف حول غبطة البطريرك الراعي دعما للطرح فضلا عن سلسلة الدعم العربي والدولي الذي لقيه هذا الطرح.

ان الاوان المناقشة الحياد والاستراتيجية الدفاعية، التي كنا نتمنى على الرئيس ميشال عون ان يبادر الى طرحها للنقاش منذ توليه سدة الرئاسة الاولى، بدل الدعوة الى طاولات حوار عقيمة وغير منتجة تارة للتصديق على خطة اقتصادية وطورا لمحاولة تأمين غطاء وطني لحزب الله المحاصر عالميا وعربيا بعقوبات.

خامسا: طبعا نعلم ان اقرار الحياد الايجابي للبنان يحتاج الى قرار دولي، اممي، جامع، لكن يبقى ان الاهم ما نتوافق نحن اللبنانيين عليه لتحييد البلاد عن الصراعات انطلاقا من الصيغة التالية:

لا حياد بالنسبة للقضية الفلسطينية والاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية والتزام لبنان كدولة مساندة لا دولة مواجهة، تحريرها الى جانب الدول العربية.

والحياد في كل ما يتعلق بالخلافات العربية، العربية، فاذا اتحدت الدول العربية كان لبنان بينها وإذا اختلفت يلتزم لبنان الحياد الايجابي في التوفيق والتوسط بينها للتقريب والجمع. والحياد للبنان في حال اي صراع بين محاور اقليمية ودولية لا تمت لمصالح لبنان بصلة.

ونذكر بان لبنان لم يتعرض للازمات الا منذ لحظة تخليه عن الناي بالنفس، وها هو اليوم بلغ مرحلة متقدمة من الانهيار ودفع الثمن عن الاخرين.

طرح الحياد اعاد المشكلة اللبنانية الى اساسها: اي دور؟ اية طبيعة؟ في المحيط القريب والبعيد. طرح الحياد اعاد إحياء الاصطفاف بين السياديين وغير السياديين، مع فرق اساسي جديد هذه المرة: وجود انتفاضة وراي ثالث في البلد ينادي بالإصلاح ومحاربة الفساد.

دفع لبنان ما يكفي من اثمان: عن العرب، والناصرية، والقومية، والقضية الفلسطينية والصراع مع اسرائيل، ودائما لوحده، مستفردا كشاة يساق الى الذبح كل يوم الى ان أصبح نزيفه خطيرا ومميتا. طرح الحياد أسقط الاقنعة وكشف المستور … فالبلاد منقسمة بين من يريد لبنان رسالة حضارية منفتحة ومن يريدها ساحة مواجهة وموت ودمار. والعهد والتيار الوطني الحر الى جانب من يريده ساحة. فسجل ايها التاريخ..
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة