22 آب 2020
الانتماءات القاتلة تمنع حياد لبنان... وتجعله في عزلة
النهار:

الانتماءات القاتلة تمنع حياد لبنان... وتجعله في عزلة

جرّب لبنان عبر تاريخه، القصير نسبياً، الانحياز الى محاور دون أخرى، طمعاً من البلد الصغير في تحقيق مكاسب قد تتحقق له من الاصطفاف، لكن الواقع أن تلك الاصطفافات جرّت عليه الويلات والنكبات والحروب، حروب الآخرين على أرض لبنان، كما كان يسميها الكبير غسان تويني. هذه الحروب، شكّل اللبنانيون وقوداً لها على الدوام، فحصدت من أرواحهم، وأصابتهم في الصميم في أجسادهم ونفوسهم، ودمّرت أرزاقهم، وحملت كثيرين منهم على الهجرة.
لبنان الرسمي حاول مراراً وتكراراً عدم الانحياز، الا وفق ما تمليه عليه انتماءاته الى محيطه العربي، وشعر أحياناً أنه مرغم على تلك الخيارات، لأنه يفضل الحياد، وتحييد البلد في صراعات لا علاقة له بها، أو أنه زجّ بها من دون استشارته، ومن دون توافر القدرة لديه على الرفض، اذ أنه غالباً ما وقع ضحية صراعات الدول الكبرى المحيطة، وأحياناً توافقاتها، والتحالفات التي كانت تجعل الدول الصغيرة في المنطقة رهينتها.
غالباً ما كان لبنان أسير الجارة الأقرب اليه. سوريا التي لم تر فيه بلداً مستقلاً عنها، بل إحدى المحافظات العاصية، وتعاملت معه هكذا على الدوام، ولا تزال، رغم انكساراتها، تنظر اليه بفوقية، بحكم الجغرافيا التي تأسره، وتقطع عنه شريان التواصل مع العالم العربي، المحيط الطبيعي لبلد الأرز.
حروب الآخرين على أرض لبنان جعلته يخسر الكثير، ويتراجع دوره الصلة الوصل بين الشرق والغرب، وصحافة العرب، ومستشفاهم، وجامعتهم. بل أن تلك الحروب، وليدة الاصطفافات، جعلته يخسر جوهر وجوده الذي قام على توافق "لا شرق ولا غرب"، وأنه بلد "ذو وجه عربي" فلا هو أسير المنظومة العربية، ولا هو متعلق بفرنسا أمه الحنون التي وهبته استقلاله، بل أنها أنشأت دولة لبنان الكبير في رعايتها، قبل أن يتحقق الاستقلال الحقيقي في العام 1943، بحكمة بشارة الخوري ورياض الصلح اللذين التقت إرادتاهما، مع إرادات الأحرار في بلورة الكيان الحالي الذي تعرّض للضربات المتتالية، ولكثير من الطلقات من القريب والبعيد، ولا سيما من الأقربين. وقد ترافقت انطلاقته مع قيام دولة إسرائيل، التي حرمته الظروف للنمو الطبيعي وترسيخ الاستقلال. بعد ذلك حلت الوصاية السورية زمن الحرب، فحوّلت البلد أداة لسياساتها الخارجية، ولتصفية حساباتها، وأغرقته في صراعات وحروب كان ممكناً تجنبها. ولم يكن ممكناً زمن الوصاية، الحياد أو التحييد، إذ أن البلد فقد حريته وقراره وسيادته. كل هذا جرَّ على البلد الويلات المتلاحقة، وصار مجدداً يدفع أثمان سياسات الغير.

لم ينته زمن الوصاية مع زوال الوجود العسكري السوري، بل أن سياسات حلفاء النظام أبقت الوضع نفسه قائماً، ودفع هؤلاء لبنان الى أتون الحرب السورية، وأغرقوه في المحور السوري – الإيراني، حتى صارت سياسته الخارجية معادية للغرب والعرب على السواء، وعاد مجدداً لدفع الأثمان.
علاقة لبنان سيئة بالمحيط العربي، وبالدول الفاعلة على الصعيد الدولي، حتى أن رئيس الحكومة المستقيلة حسان دياب ووزير داخليته محمد فهمي، أمعنا في الإساءة الى العلاقة مع فرنسا، الصديقة شبه الوحيدة المتبقية للبنان من تلك الدول المعنية بالبلد.
في العام 2012، جهد الرئيس ميشال سليمان لإصدار "إعلان بعبدا" في محاولة منه لتحييد لبنان عن الحرب السورية التي كانت انطلقت قبل سنة. لكن قوى 8 آذار انقلبت على الاعلان قبل صياح الديك في صباح اليوم التالي.
اليوم، يعود البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الى استعادة دور بكركي التاريخي في مئوية هذا اللبنان
[1 إيلول 1920]، مكثفاً الجهد والاتصالات من أجل دفع لبنان الى "الحياد الناشط" مستعيداً علاقاته التاريخية، منفتحاً على العالم فلا يكتفي بالتوجه شرقاً ضمن خطة ومشروع سياسيين لتغيير وجهه، بل يعيد تنشيط علاقاته وتفاعله مع كل الثقافات والحضارات.
مشروع البطريرك جبه برفض ظاهر من مجموعات، وبرفض باطن من أخرى اعتمدت سياسة الصمت وعمّمت على مناصريها بعدم الدخول في ردود على الراعي ما دام لا يمسك بالأرض وبالشارع، وطالما أن القرار بعدم التزام الحياد، نظراً لاستحالته وفق ما ترى، لا يُحدَّد في الخطب والمواقف، وأن مشروعه سيسقط تلقائياً، ويلقى مصير "إعلان بعبدا".
هذا الموقف يقسم البلد من جديد، ويجعل التلاقي مستحيلاً، إذ في المقابل ستنشأ جبهة تتبنى مشروع البطريركية، انطلاقاً من اقتناعها بضرورة تحييد لبنان وحياده، لأن عكس ذلك من شأنه أن يحوّل بيروت طهران ثانية.
لعل الأسوأ، والمثير للريبة، أن المتصدين للمشروع، يطلقون شائعات بأن الحياد يهدف الى مصالحة إسرائيل وإقامة سلام معها، في محاولة خبيثة لإسقاط الفكرة، وإعادة تعويم التهمة الجاهزة بالعمالة لإسرائيل منذ زمن الوصاية السورية.
 
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة