24 آب 2020
استراتيجية دفاعية تحقق الخلاص للبنان والكيان
النهار:
نزار عبد القادر

استراتيجية دفاعية تحقق الخلاص للبنان والكيان

يعيش لبنان منذ انتهاء الحرب الاسرائيلية الثانية عام 2006 أزمة سياسية متفاقمة، فقد أظهرت الحرب الأخيرة وتداعياتها أن لبنان لا يزال يشكل نقطة مركزية في الصراعات الاقليمية، وهذا ما أثبتته لاحقاً الصراعات التي تفجّرت في سوريا والعراق واليمن، والتي شارك فيها "حزب الله"، بالرغم من اعلان الحكومات اللبنانية المتعاقبة التمسك بسياسة "النأي بالنفس".


توقع اللبنانيون حدوث انفراج سياسي وأمني بعد صدور القرار الدولي 1701، لكن مع محدودية مهمة القوات الدولية في الجنوب، وتداعيات تدخل "حزب الله" العسكري في سوريا، تراجع حلم اللبنانيين بالاستقرار والأمن في البلاد، إلى درجة باتوا يخشون أن تتحول أزمتهم السياسية والاقتصادية والمالية الى مأزق داخلي، يمكن أن يهدد بالانزلاق نحو فتنة داخلية، نتيجة هيمنة "حزب الله" على مؤسسات الدولة وكامل القرار الوطني، بما في ذلك قرار السلم والحرب.

لا تتمتع السلطة السياسية الراهنة بالمستوى اللازم من المسؤولية والوعي السياسي لمواجهة الكساد والاقتصاد والمأزق المالي والانكشاف الأمني الذي تتعرض له البلاد. لم يبد عهد الرئيس ميشال عون الاهتمام الذي يتناسب وحجم التهديدات الداخلية التي يواجهها لبنان، بالاضافة الى ما تسبب به تحالفه مع "حزب الله" من ارباكات وإضرار في علاقات لبنان الخارجية على المستويين العربي والدولي، أدت الى عزل لبنان، والتسبب بمزيد من التأزم المالي والانكشاف الأمني. لنا من الأزمة المالية، والتوتر على الحدود الجنوبية، ونكبة انفجار العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت خير دليل على ذلك.

لبنان اليوم في عين العاصفة. يزيد من مخاطر تراكم أزمته الاقتصادية والمالية، التعثر السياسي الحاصل، الذي نجم عنه تشكيل حكومات ضعيفة غير قادرة على القيام بأية عملية اصلاحية، كانت آخرها حكومة حسان دياب المستقيلة، التي سميت بعد تأليفها بحكومة "حزب الله". لا بد من الاعتراف بأن الدولة الشرعية محاصرة من "الحزب"، وبأنه لا يمكن اعتماد أية استراتيجية اصلاحية على المستوى الأمني والاقتصادي والمالي قبل تحرير القرار الوطني واستعادة سيادة الدولة على كامل أراضيها، الأمر الذي يستلزم حل مسألة ثنائية السلاح من خلال اعتماد استراتيجية دفاعية قادرة على مواجهة مختلف التهديدات التي يواجهها لبنان وفي مقدمها التهديد الاسرائيلي، الذي يشكل ذريعة أساسية لـ"حزب الله" للاحتفاظ بسلاحه.


في رأينا أن جميع الوظائف الامنية والدفاعية هي حق حصري للدولة، ولا يمكنها التقاعس عن تنفيذها، فإن هي قصّرت في حماية السيادة وصون الاستقلال وحماية الشعب فهي ساقطة شرعيا. وإن هي قصرت في حماية حدودها، ومنع أي تسلل عبرها، فهي معرضة للادانة دولياً. من هنا تبدو أهمية اعتماد لبنان استراتيجية دفاعية قادرة على تحقيق جميع هذه الوظائف التي كان الرئيس عون قد وعد بوضعها، لكنه حنث بوعده.

لم يتوصل الحوار الوطني الذي جرى بدعوة من الرئيس نبيه بري عام 2006، الى نتائج حاسمة حول مصير سلاح "حزب الله"، الذي يشكل المدخل الالزامي لوضع الاستراتيجية المطلوبة. كما فشل الحوار الذي قاده الرئيس ميشال سليمان في عهده لبلورة استراتيجية دفاعية يجمع عليها اللنبانيون، وفشلت محاولته "الذكية" لإبعاد لبنان عن صراعات المنطقة بالتوافق على تحييد لبنان من "اعلان بعبدا"، الذي وقّعه مختلف الاطراف، إلا أن "حزب الله" عاد وانسحب منه، لكن الإعلان أكمل طريقه ليتحول الى وثيقة يعترف بها مجلس الامن الدولي. تشكل الاستراتيجية الدفاعية جزءاً أساسياً من سياسة الأمن الوطني التي تعتمدها الدولة، وتهدف الى تأمين الظروف السياسية الداخلية والدولية، وتقوية البنية الاقتصادية، وتحقيق الانسجام والتماسك الوطني لتأمين القدرات والظروف المناسبة لحماية وتأمين المصالح والقيم الوطنية ضد جميع الأعداء الراهنين أو المحتملين.

في ظل الأزمات الراهنة التي باتت تهدد بسقوط الكيان، تبرز أهمية تجديد النقاش السياسي حول الاستراتيجية الدفاعية الوطنية، ورأب الصدع الوطني نتيجة الانقسام حول سلاح "الحزب" ودوره في مواجهة اسرائيل، وتأمين مبدأ سيادة الدولة على أراضيها كحق حصري لا يشاركها فيه أحد. الاستراتيجية الدفاعية لا تعني فقط البعد العسكري بل تضاف اليها السياسة الخارجية وعلاقات لبنان العربية والدولية، وضرورات تأمين القدرات الاقتصادية، بالاضافة الى تحسين الوحدة اللوطنية، والموقف الوطني العام الداعم للدولة والقوات المسلحة. لا يمكن أن يغيب امكان اعتماد موقف الحياد الناشط، الذي انطلق من اعلان بعبدا، وتجدد بمبادرة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي.

تبقى القوات المسلحة العنصر الأساسي لأية سياسة أمن وطني أو استراتيجية دفاعية. لا بد من الاعتراف بأن لبنان فشل في مختلف العهود في بناء قدراته العسكرية اللازمة لمواجهة متطلبات أمنه الوطني. ندرك ما يقدمه البعض من أسباب لضعف بنية لبنان العسكرية، ولكن لا يمكن القول الآن باستمرار هذا التقاعس، الذي نشأ نتيجة توافقات غير معلنة بين السلطات السياسية وبعض قيادات الطوائف التي سعت الى عزل لبنان عن الصراع العربي – الاسرائيلي، والذي يستمر في ظل جمهورية الطائف لتبرير احتفاظ "حزب الله" بسلاحه، وتحوله الى دويلة داخل الدولة.

حان الوقت لتدرك القيادات اللبنانية، بما فيها "حزب الله"، أهمية وضع خلافاتها ومصالحها الخاصة جانباً، وبدء حوار صريح وبناء لاعتماد استراتيجية دفاعية وبناء القدرات العسكرية اللازمة لتنفيذها. يبرز السؤال: هل يمكن للبنان بناء قدرات عسكرية قادرة على مواجهة التهديدات الاسرائيلية؟

عن هذا السؤال أجبت بشكل موسّع في كتابي "وطن بلا سياج"، فرأيت أن لبنان قادر على امتلاك القدرات الرادعة للاعتداءات الاسرائيلية انطلاقاً من:

اولاً، يمكن للجيش اللبناني بحجمه وتشكيلاته الراهنة، امتلاك قدرة "الردع المحدود" لمواجهة أي عدوان اسرائيلي متوسط أو كبير. "الردع المحدود" يعني إعلام القيادة الاسرائيلية بأنها ستواجه خسائر عسكرية في أي غزو تنفذه.

ثانياً، تشكل علاقات لبنان الدولية، والثقل العالمي للجاليات اللبنانية، بالاضافة الى قرار تحييد لبنان باعتراف دولي، عناصر مكملة لقدرات لبنان الدفاعية.

ثالثاً، يمكن اعتماد حل مرن لمعالجة سلاح "الحزب" باعتماد ربط حل ثنائية السلاح باستكمال تجهيز وتسليح وإعداد الجيش لامتلاك قدرة "الردع المحدود"، ومن خلال اقناع "الحزب" بدمج المقاومة مع الجيش ضمن برنامج وطني بدعم دولي واقليمي، او باحتفاظ "الحزب" بسلاحه مع تخليه عن قرار السلم والحرب لصالح الدولة، ويتطلب مثل هذا الحل وضع حد لوصاية "الحزب" على مؤسسات الدولة، وعدم استعمال سلاحه لغايات سياسية داخلية.

اكتب هذا الكلام مع إدراكي بأن طريق الحل والسلام في وجه لبنان لا تزال مقفلة بسبب الضغوط السورية والايرانية، وتمسّك "حزب الله" بسلاحه لاغراض داخلية واقليمية. لكني أجد أن من الحكمة الضرورية والملحة أن يعمل العهد على تشكيل حكومة مستقلة من كفاءات مشهود لها، لتبدأ برنامجاً اصلاحياً واسعاً، يترافق مع حوار وطني فعلي للبحث في اعتماد استراتيجية دفاعية تتناسب مع أخطار المرحلة الراهنة.

هذا هو الطريق الأمن لخلاص لبنان والحفاظ على الكيان، ويجب أن لا تضيّع فرصة عودة الاهتمام الدولي والعربي بنا، بعد النكبة التي تسبب بها انفجار المرفأ.
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة