02 أيلول 2020
عين لبنانية على القيود الاقليمية لجهود ماكرون
النهار:

روزانا بو منصف
عين لبنانية على القيود الاقليمية لجهود ماكرون
الاهتمام الهائل وغير المسبوق للرئيس الفرنسي امانويل ماكرون بالوضع اللبناني على اثر انفجار المرفأ اعطى امالا كبيرة بعدم ترك فرنسا لبنان يهوي وفق ما اكد الرئيس الفرنسي، وهو امر ايجابي يجد تقديرا كبيرا له لكن ليس من دون تساؤلات كبيرة تتصل بالمدى الذي يمكن للرئيس الفرنسي ان يبقي تركيزه الكبير على لبنان الموجود راهنا وحتى اشعار اخر في العناية الفائقة. ومسارعة الاليزيه الى تأكيد عودة ماكرون في زيارة ثالثة للبنان في كانون الاول المقبل يفترض ان يجيب على شكوك كبيرة بان الرئيس الفرنسي سيكون لديه اهتمامات اخرى بحيث لا يمكنه البقاء على اهتمامه الحالي. اذ يعتقد على نطاق واسع ان الحدود المقيدة لحركته ضخمة جدا بدءا من ايران التي يقول مطلعون ان تجاوبها المرن مع جهود ماكرون والذي يعكسها "حزب الله" في انفتاحه على ما طرحه الرئيس الفرنسي واستعداده للتعاون انما يتصل بجملة اعتبارات. فهذه المرونة تشتري لايران والحزب وقتا تحتاجه طهران بقوة في ظل اختناق اصاب ذراعها القوية في لبنان بفعل الانهيار الاقتصادي والمالي وتحمل مسؤولية حكومة كان الاستمرار فيها عبئا كبيرا عليها. ولا يعتقد هؤلاء ان ايران تبادلت مع ماكرون اي عطاءات في الشأن اللبناني لا سيما وان ايران تحتاج الى التقاط انفاسها في الوقت الفاصل عن الانتخابات الاميركية لاتضاح طبيعة القرارات التي يتعين عليها اتخاذها تبعا لذلك. والتقاط الانفاس يعني امكان تذخير ايران قدراتها للمرحلة المقبلة ما يثير المخاوف او بالاحرى يعززها من طبيعة المرحلة الانتقالية التي يمكن للرئيس الفرنسي تجميد تسارع الانهيار في انتظار نجاح الخطوات التي يشجع ضاغطا عليها وفي انتظار اتضاح معالم المرحلة المقبلة. هذا في الجانب الايراني الذي يخشى المطلعون الا تبيع طهران فرنسا الكثير تماما كما تفعل في الملف النووي في انتظار الحوار مع الولايات المتحدة. وفي المقلب السعودي من واقع الازمة في لبنان يجزم المطلعون انفسهم بان الامور تبقى رهنا الى حد كبير بطبيعة الحكومة العتيدة ومدى خلوها من هيمنة " حزب الله" وسيطرته تحت طائل ترك المملكة اللبنانيين يتدبرون امورهم بانفسهم في ظل المعطيات الراهنة. لكن فرنسا ستكون في حاجة الى المملكة والدول الخليجية من اجل المساعدة في انهاض لبنان اذا نجح ماكرون في اطلاق مسار اصلاحي ينقذ الاقتصاد ويضع اسسا لعقد سياسي جديد بعيد من النفوذ او هيمنة الحزب وراعيته الاقليمية. ففي هذا السياق يبرز امران : اولهما ان ماكرون نفسه الذي هرع الى المملكة في المشكلة التي واجهت الرئيس سعد الحريري في 2017 عمد بعد ذلك الى حشد الدعم الدولي والخليجي خصوصا من اجل المساعدة في منع تدهور الوضع الاقتصادي عبر مؤتمر سيدر فيما ان مقررات المؤتمر لم تجد طريقها الى التنفيذ. فهناك حاجة ماسة الى الاموال الخليجية لن يتم الحصول عليها في ظل الاعتبارات المعروفة سيما وان اموال سيدر تستند اليها ايضا. والامر الاخر ان جملة رسائل وجهت الى الرئيس الفرنسي تصر على تحديد رؤيتها للازمة وعدم امكان اقتصارها على تأليف حكومة جديدة وبدئها مسارا اصلاحيا.وتبرز في هذا الاطار على سبيل المثال لا الحصر الرسالة التي وجهها الرئيس السابق ميشال سليمان الذي تقترب وجهة نظره الى حد بعيد مع وجهة نظر البطريرك الماروني من طبيعة الازمة وسبل حلها ووجهة نظر افرقاء اخرين من حيث رؤيته ان "تشكيل حكومة جديدة واقرار اجراء انتخابات نيابية مبكرة وفقا لقانون انتخابي جديد ومن ثم اجراء انتخابات رئاسية في موعدها المفترض تشكل جميعها استحقاقات دستورية ضرورية وحتمية لكنها غير كافية من اجل انهاض لبنان في حال لم يتم تصحيح السياسة العامة في البلد. وهو امر لا يمكن ان يحصل بعيدا من اعتماد الحياد وتبني استراتيجية دفاعية وضبط الحدود وتصحيح علاقات لبنان الخارجية...". وهذا كله لا وقت لدى ماكرون للانخراط فيه ولا حتى قدرة لديه في ظل المعطيات الانفة والعوامل الاقليمية ايضا. وفيما ينتظر لبنان الرسمي زيارة مساعد وزير الخارجية الاميركي ديفيد شينكر فان المعلومات المتوافرة بناء على خلاصة زيارة مساعد الوزير مايك بومبيو للشؤون السياسية ديفيد هيل قبل اسابيع قليلة تشي بانتظار واشنطن ان تظهر الحكومة استقلاليتها وعدم تبنيها الا بناء على ما سبق ان حددته واشنطن والذي لا يبتعد كثيرا عن موقف الدول الخليجية من لبنان ايضا سيما وان اهتمامات واشنطن في مكان اخر وتنتظر نتائج الجهود الفرنسية في ظل اهتمام لا يحتل اولوية كبيرة لديها.
ولهذه الاعتبارات هناك مقاربة حذرة ازاء التفاؤل بحزم الرئيس الفرنسي وقدراته علما ان غالبية توافق الرأي الرسمي الفرنسي بان عملية الانقاذ الفرنسية قد تكون الفرصة الاخيرة المتاحة امام لبنان، ومن هنا التجاوب المبدئي معه. لكن ما ان يترك الافرقاء اللبنانيون وحدهم فانهم لن يقوموا بالكثير سيما وان الانذارات الفرنسية تحصل منذ اكثر من سنتين من دون اي تجاوب معها. لا بل ان هناك من يخشى ان رمي البعض الكرة في ملعب الرئيس الفرنسي من حيث اختيار رئيس الحكومة مصطفى اديب انما يضعه في موقع من يتحمل مسؤولية فشل الحكومة متى حصل ذلك او حين حصوله فيما قد يكون سهلا قطف ثمار نجاح الحكومة فيما لو اتيح لها تنفيذ بعض الاصلاحات. ويلفت هؤلاء بقوة الى تطورات المنطقة على الاقل من زاوية الصور التي وزعت عن لحظة وصول ماكرون الى بيروت في زيارته الثانية في مواصلة لمبادرته انقاذ لبنان من الهاوية الذي يسرع اليها فيما وزعت في المقابل صورة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في الامارات العربية. وتزامنا تعلن حركة " حماس" التوصل الى تفاهم مع اسرائيل لاحتواء التصعيد في غزة في الوقت الذي لم يكن مضت ساعات على اعلان الامين العام ل" حزب الله" نيته الانتقام لمقتل عنصر من الحزب، على نحو ما يعنيه ذلك من ابقاء او استمرار لبنان ساحة صراع اميركي ايراني واسرائيلي ايراني على خلفية محاولة ترتيب الوضع في العراق وايضا في سوريا وان بخطوات متعثرة.
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة