16 أيلول 2020
في اختيار الرفاق"
النهار:
سمير عطالله
في اختيار الرفاق"
تنقل الروائي الايطالي في نقد القوى السياسية وفقاً لمقياس واحد: ايطاليا والضمير. هاجم الشيوعيين وهاجم الفاشيين ولم يوفر الاشتراكيين في رحلة البحث عن بلد تغلب فيه الحقيقة على مهرجانات الكذب والتلون وتبديل الولاء.
كتب مرة اطروحة بعنوان "اختيار الرفاق" يعلن فيها ان كل خيباته بالسياسة الايطالية والسياسيين الايطاليين، لن تحمله على التخلي عن التزامه، ليس لأن هذا الالتزام سوف يحمل الخلاص الى احد، ولكن لأن اللامبالاة  كفر وموت.
لا يمكن ان ننضم في اي لحظة، الى الزمرة الكافرة من اللامبالين. لن نتساوى معهم في ازدراء الوطن والدولة والشبان الذين سوف يرثون الأرض.
اللامبالاة موت وكفر، قال سيلوني، من اجل ايطاليا لا يعبث بها الانانيون والمستكبرون وقساة القلوب "وبيض العيون". نحن، العزّل، من كل شيء آخر، علينا، على الأقل، أن نكتب. بعض المتألمين، يكتب على الجدران وعلى الأرصفة وعلى  الأعمدة ويهتفون في الشوارع والساحات، فلماذا لا نكتب على الصحف؟
نعرف انه مضى زمن السياسيين الذين يقرأون ويخجلون ويعتزلون. لا بشارة الخوري في هذا القوم ولا فؤاد شهاب، ولا مشاعر، ولا عمر كرامي يهرع مسرعاً الى المجلس ليقرأ استقالته شامخاً مثل نخلة، منحنياً مثل سنبلة امام فشله. ولكن لبنان – مثل ايطاليا – لا يزال هنا. لا يزال، مهما كان محترقاً وخَرِباً وحزيناً، بيوته بلا ابواب وبنوكه مغلقة في وجه جميع الناس، وشوارعه وشطآنه وجباله مليئة بالزبالة والآمراض والتلوث، ومستشفياته طافحة بالمرضى، وصيدلياته خالية من الأدوية، ومصانعه مجمدة، ومدارسه  بلا معلمين، وحركة القضاء بلا توقيع، والناس تمشي في الشوارع خائفة مرتعدة من الحريق التالي، وهل تكون غيمة الفطر سوداء أم برتقالية أم رمادية.
لا شيء يشبه سياسيينا في هذه اللامبالاة. حتى سري لانكا، على فقرها، وجدت انه من الواجب ان تعطف علينا بشيء من الشاي. لعلَّ السكر يأتينا من كوبا. أو شحنة سيجار هافاني على الأقل، تبلسم ادمان الطبقة الأكثر فجوراً.
يخجلنا الذين يقفون، حزانى، امام الشاشات معلنين "ما بدنا نفل". ويحزننا اولئك الذين يفلون. وآلاف الذين يحلمون بأن يفلوا. هذه المرة اسباب الهجرة تماماً مثل اسباب سفر برلك. قهر وجوع واستبداد وشعور بأن الغربة اكثر رحمة من الوطن. ماذا يمكن ان يكون اكثر ادانة للوطن، من البحث عن وطن آخر. أي وطن آخر، بعيداً عن هذا الشرق المبتلي بالامبالاة.
يلتئم "مجلس الدفاع الأعلى" بعد كل كارثة. لكن مثل هذه المجالس موجودة في الدول لكي تحول دون وقوع الكوارث. الدولة حماية لا عدّاداً يسجل الضحايا والخسائر. وما هذه الأضحوكة الصفراء في ان تكون الاستعانة الخارجية بالتحقيق في اكبر مآسي البلد، خرقاً للسيادة، ولا يكون خرق لها تشكيل الحكومة بين باريس وبيروت، ولا يكون خرق أن يأتي الضيوف الرسميون من دون ان يلتقوا مسؤولاً واحداً، ولا يكون خرق ان يُستقبل اسماعيل هنية في عين الحلوة بعراضة مسلحة ايقظت في الذاكرة المضطربة صور 15 عاماً من حرب تحرير فلسطين مروراً بجونية وعيون السيمان؟
ليس لدى الثوار الكبار امثال السيد هنية وقت لللا رسميات والعادات غير الضرورية، خصوصاً في هذه المرحلة التي اصبحت فيها فلسطين المحررة على بعد خطوات. ولكن أما كان ممكناً تأجيل العراضة المسلحة وخطابها، من فوق رأس الدولة اللبنانية – تأجيلهما  الى ان تكون بيروت قد عثرت على بقية المفقودين، وودعت جميع الميتين، واستكملت مدة الحداد في اكبر جنازة جماعية في تاريخها؟  ألم يكن الأحرى، باللياقات الأخوية، أن تقف في عين الحلوة، مخاطباً بيروت وما بعد بيروت، بدل تل ابيب وما بعد تل ابيب؟ هل كثير على بيروت دمعة عابرة؟

تلك هي السيادة في لبنان، في اي حال، وهذه بعض مظاهرها ومواقيتها. وقد اجتمع مجلس الدفاع الأعلى على وجه السرعة (العجلة) وامر الرئيس بالبحث "بأسرع وقت ممكن" عن اسباب الحريق الأخير في المرفأ. جاء الجواب قبل مرور فترة الخمسة ايام: تلحيم!  عجقة سنكرية في المرفأ، من عنبر الى عنبر. وقصدير طاير بالهوا. في المرة المقبلة الطريق الوحيد لحماية لبنان من كارثة أخرى، هي تبديل طاقم السماكرة. فلا تنفجر بسببهم عنابر الامونياك، ولا معابر بوابير الكاز. سنكرية في كل مكان. لِحام وشنادر ومنافخ نار.
بعد كل كارثة يتعرض العقل اللبناني للإهانة، كما يتعرض لها قبل وبعد تشكيل اي حكومة.  لكن المهم ان السيادة محفوظة حفظاً تاماً. عندما سُئل الرئيس ميشال عون عن انجازات عهده، أجاب، الأمن، وقانون الانتخاب، والتشكيلات القضائية. ربما من الضروري اعادة النظر في هذا التقييم. فالقانون الانتخابي زاد البلد تفسخاً، والتشكيلات القضائية عمل اداري معلق. أما الأمن والاقتصاد والنقد والنمو والعلاقات العربية والدولية، في عهد الرئيس ميشال سليمان، فكانت كلها في افضل مستوياتها. صحيح ان الرئيس سليمان لم يكن الأقوى في طائفته، لكنه كان الأكثر دقة في احترام الميثاق والدستور وكرامات جميع الطوائف. ولم يكن يوماً طرفاً في نزاع، ولا عطّل تشكيل حكومة ثمانية اشهر من اجل وزير، ولا خرج عن السياق الرئاسي في سبيل احد.
اهوال واحداث الاسابيع الأخيرة، ترغمنا على اعادة النظر في تفسير المصطلحات، كالسيادة والقوة، خوف أن تبتذل معانيها. كنا قد شعرنا بسعادة غامرة عندما ابلغنا سيزار خان ابو خليل انه جاب لهم (لنا) الغاز. وكان رب عمله قد جاب لنا النفط والكهرباء واسطول فاطمة غول وشقيقاتها. ما هي الخيرات والثروات التي لم تنزل علينا بعد؟ ما هي الويلات التي لم تدق ابواب الناس وبيوتها ونوافذها وتفتح ميناءها وقبورها وبحورها؟

بدل ان تكتب الصحف الافتتاحيات عن احوال البلد تكتب المرائي وسفر ايوب ونبؤات نوستراداموس. نشعر بخجل هائل وذنب لا يغفر، أن ليس لدينا شيئاً آخر نحدثكم عنه، في انتظار الاجتماع التالي لمجلس الدفاع الأعلى، والنفي التالي لجبران باسيل بأنه لم، ولن، يطالب احداً من الحكومة المقبلة. لا الطاقة ولا الخارجية، ولا الدفاع. من كان يملك الجمهورية لماذا يضع عينه على فروعها!
من الصعب اللحاق بالسيد باسيل. يوما يجول في الكون، ويوماً يجول في بشري والشوف، والآن يجول بين الحياد والتحييد. بين البطريرك والسيد، بين حقوق المسيحيين والدولة المدنية. ولا مرة وجد الوقت للمرور بالميناء واهالي مار مخايل.
لن نتخلى عن التزامنا الاخلاقي في السياسة الوطنية مهما جرى تسخيفها، كما قالت حنّه آرندت. عاش سيلوني كل الحروب والازمات والخيبات وازمان الانحطاط الاخلاقي في ايطاليا، لكنه قرر الاستمرار في المثابرة. ليس لأنه يحلم بدولة مثالية أو بمجتمع نموذجي، بل لأن اللامبالاة عورة لا اخلاقية وطيئة.
بعد الحرب العالمية الثانية (مرحلة سيلوني) اصيب الايطاليون باليأس والقرف من السلوك التماسيحي الذي ساد المناخ السياسي. وشاع في روما مصطلح qualanquismo  - اللامبالاة السياسية. سيلوني اصر على محاربة هذه الجريمة. كتب "ان الانظمة السيئة تأتي وتذهب. لكن العادات السيئة تبقى، واسوأ هذه العادات، العدمية".
لا يقترح سيلوني حلاً ولا يدّعي انه يملكه. لا شيء يملكه المستقلون عندما يكون المعروض الوحيد على الناس هو الاستبداد. لكن سيلوني يوصي بشيء واحد على الأقل:  أن نعرف كيف ننتقي الحلفاء والاصدقاء: الرفاق. علّ اللبنانيون يبحثون في الانتخابات المقبلة – إذا وحين تجري – عن رفاق امتحنوا في الخصائل. اسوأ ما يصيب القوم، كما يقول روبير موزيل في روايته الكبرى "رجل لا خصال فيه".
https://www.annahar.com/arabic/authors/15092020092838914



تابع الرئيس على
© 2024 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة