27 أيلول 2020
جان عزيز لـ "أساس": "الحياد" مشروع عون منذ 2007
كتب إيلي القصيفي في "أساس ميديا": 

 

الحديث مع السياسي والإعلامي جان عزيز يتجاوز الحدث اليومي، وإن كان ينطلق منه. إنه حديث تأخذه الخلفية الفكرية للرجل نحو العناوين السياسية الكبرى التي تتصّل مباشرة وبقوّة بالمفاهيم التأسيسية للبنان، مثل الميثاق والصيغة والتوازن، واليوم الحياد. فأيّ جملة سياسية وأيّا يكن مقدار راهنيتها، يضعها عزيز في إطار تاريخي، بمعنى أنّه يربطها بسياقات التجربة اللبنانية مفهومياً وتاريخياً.

 

جان عزيز الذي كان عضواً في "قرنة شهوان" زمن الوصاية السورية، ثمّ بعدها عضواً رئيسياً في الحلقة الفكرية والسياسية المحيطة بالعماد ميشال عون، ثم مستشاراً إعلامياً له في بعبدا، إلى أنّ استقال من مهامه الاستشارية في القصر الجمهوري في شباط 2018، لكنّه بقي على تواصل مع رئيس الجمهورية.... هو اليوم منظّر رئيس لمفهوم الحياد الذي يدعو إليه البطريرك بشارة الراعي.

 

 

"أساس" التقت عزيز، وسألته عن "الحراك المسيحي"، والحياد، وموقف عون و"حزب الله" منه، فضلاً عن "المقاومة"، و"تفاهم مار مخايل" و"الطائف"، وطبعاً عن مآلات عهد ميشال عون. وكان معه هذا الحوار التالي بجزأيه.

 

 

 

*كيف تقرأ "المشهد المسيحي" بعد انفجار مرفأ بيروت؟

 

"باعتقادي أنّه باستثناء المصطفين حزبياً، فإنّ هناك تقارباً بين الأمزجة الجماعتية. أمّا على مستوى المناطق بجغرافيتها حتّى لا نقول بلونها الطائفي، فإنّ الصدمة المسيحية سابقة على انفجار المرفأ، أي إنّها بدأت منذ 17 تشرين 2019. كانت مذّاك صدمة خيبة، ولذلك لا بدّ من المقارنة بين المبادرة الأميركية، في العام 2005 حيث كان الانتقال ممّا قبل الوصاية السورية إلى ما بعدها، وفي العام 2020 حيث الانتقال ممّا قبل فوضى الوصايات إلى شيء مجهول غير واضح بعد. وقتذاك، أي في 2005، بدأت العملية انطلاقاً من اغتيال الرئيس رفيق الحريري. أمّا اليوم فهي بدأت بعد اغتيال عهد ميشال عون، نتيجة عدد من العوامل والتراكمات والهزائم والإخفاقات أوصلت الشارع المسيحي إلى نوع من الخيبة الكبيرة تمّ التعبير عنها في 17 تشرين.

 

ويضيف: "نحن إذاً في حالة مراوحة بين التذّمر وعدم القدرة على بناء رأي عام وبين الاعتراض وعدم الانتقال إلى المشروع. وهذه الحالة يمكن أن تسمح لكلّ التيارات الفوضوية بأن تدخل، ناهيك عن التفكّك وعن التآكل والاستقالة وبوادر الهجرة التي بدأت. في هذا المشهد المحاولة الجدّية كانت طرح الحياد الذي تقدّم به البطريرك بشارة الراعي، لكنّه طرحٌ ما تفعّل بعد ولا وجد ترجمته الفعلية".

 

 

يميّز عزيز بين طرح الحياد كمضمون وعن كونه طرحاً يصنع قيادة مسيحية بديلة في اللحظة الراهنة. برأيه طرح الحياد مواكبٌ لعلّة وجود لبنان على الأقل منذ أدبيات الميثاق الوطني في العام 1943، وحتى في أدبيات العماد عون قبل العام 2005. فطرح بكركي ليس انقلاباً أو تغييراً جذرياً، إنّما هو تصحيح العودة إلى الثوابت، فالحياد كمفهوم يحاكي فلسفة مشروع ميشال عون.

 

ويقول: "عندما بدأنا خوض معركة ميشال عون كمرشح لرئاسة الجمهورية، كانت لدينا قراءة واضحة تقول إنّ لبنان بمعطياته الدستورية والجغرافية والتاريخية والبشرية والاقتصادية لا يستطيع ان يتغيّر تغيّرات جذرية بين عشيّة وضحاها. هذا بلد، ولكي تستطيع أن تحافظ على حياته ووجوده وبقائه لا بدّ من إنتاج معادلة دقيقة وواضحة يمكن أن نختزلها بكلمة واحدة وهي "التوازن"، الذي يجب أن يكون قائماً على مستوى كلّ الحلقات الدائرية التي تشكّل لبنان؛ على المستوى الداخلي بين مجموعاته، وعلى المستويين الإقليمي والعالمي".

 

يسأل عزيز: "لماذا هذه القراءة؟". ويجيب: "لأنّه على مدى 15 عاماً من عبور الصحراء المسيحية (1990-2005) والتي أضحت لبنانية فيما بعد، خرجنا بخلاصة أنّ ما حصل في العام 1990 كان تقاطعاً تاريخياً غريباً، فالتوازن اللبناني - اللبناني سقط نتيجة حروبنا التدميرية، والتوازن الإقليمي سقط نتيجة اجتياح صدام حسين للكويت والاتفاق الأميركي السوري. ولذا، تسيّد وتفرّد حافظ الأسد بقيادة الإقليم الذي نحن فيه، والتوازن الدولي سقط بسقوط الاتحاد السوفياتي".

 

ويتابع: "لذلك كان الرأي أنّنا نحتاج لكي نعود وننهض بلبنان إلى ثلاثة توازنات، توازن عالمي وقد تحقّق إلى حدّ ما في ظلّ تراجع الأحادية الأميركية أمام أكثر من قطب، كذلك أضحى التوازن الاقليمي من بعد الحرب السورية أفضل، لا سيّما بعد الانسحاب السوري من لبنان. إذّاك بقي التوازن الداخلي الذي هو توازن محايد، أي أنّك لا تستطيع أنّ تصنع توازناً وأنت متجّه في اتجاه واحد. لذلك، فإنّ فكرة الحياد موجودة في فلسفة رئاسة ميشال عون على الأقل، منذ العام 2007 حتّى العام 2016".

 

 

وعليه، يرى عزيز أنّ "ما يطرحه البطريرك ليس جديداً"، ويسأل: "لكن هل يستطيع ان يغيّر في البنى التنظيمية والحزبية؟"، ويجيب: "لسوء الحظ، فإنّ القوى في الوسط المسيحي، إذا جاز التعبير، ما زالت مفصولة بين الاصطفافات الحزبية العمياء التي لم تقم بمراجعات نقدية جدّية إلا بنسب قليلة، وبين المستقلين الذين يرفضون بناء تنظيمات حزبية جديدة".

 

في السياق يعتبر عزيز أن تجربة "قرنة شهوان" يمكن أن يتأسّس عليها لناحية بناء رأي عام وإطار سياسي يحملان طرح الحياد، لكنّه يتخوّف أن تأخذ ترجمات هذا الطرح شكل اصطفاف مسيحي بمواجهة اصطفاف مذهبي آخر أو طائفي آخر: "لذلك حاولنا القول إنّ طرح هذا المبدأ يجب أن يكون على المستوى اللبناني. وإذا كان المطلوب القياس على مرحلة قرنة شهوان، فهذه المرة المطلوب هو رافعة وطنية لهذا الحياد، بينما كان المطلوب ما قبل العام 2005 رافعة مسيحية لمفهوم السيادة. كذلك المطلوب أنّ لا تكون هناك ثغرات في طرح مبدأ الحياد".

 

وردّا على سؤال عمّا إذا كان طرح الحياد قد ظُهّر طرحاً انقسامياً في ظلّ موقف حزب الله السلبي منه، يقول عزيز إنّ "موقف حزب الله هو الذي يخلق هذه الحالات الاصطفافية في السياسة. وأنا أدعو الحزب لأن يتفاعل أكثر مع القوى الأخرى، وتحديداً مع بكركي، وهو قطع علاقته معها منذ زيارة البطريرك إلى القدس في نيسان 2014".

 

برأيه، "يجب ألا يدفع الحزب فكرة الحياد نحو الاصطفاف المذهبي، لأن ذلك سيكون خطيراً جداً على مستوى أمزجة الشوارع الأخرى، وسيؤدّي إلى ردّة فعل أكثر تطرّفاً من مفهوم الحياد. وليس خافياً أنّ هناك نوازع غريبة، مثل نزعة الفيديرالية، وهي تترك نكسات وهزائم على مستوى البيئات التي تحملها، وعلى مستوى العلاقة مع الآخرين، لأنّها يمكن أن تدفع بعض البيئات إلى خيارات أكثر تطرّفاً. مثلما أدى سقوط مفهوم القومية العربية في مواجهة إسرائيل نحو خيارات أكثر تطرّفاً، ودينية تحديداً".

 

 

يضيف: "الحزب لديه مصلحة في تعريف الحياد الذي يبحث عنه، وهو قادر أن يلاقي قواسم مشتركة مع طرح بكركي، لأنّ هذا الطرح قادر أنّ يحتوي المقاومة وهو لا يضربها، وأن يحميها وهو لا يستهدفها، لأنه طرح يعيد الخطاب اللبناني إلى حدوده الكيانية والميثاقية المطلوبة، وهذا أمر ضروري لبكركي وللحزب وللبلد".

 

في السياق يعطي عزيز مثلين عن "الحياد اللبناني"، "فمنذ نحو عشرة أيام كان هناك اجتماع لورزاء الخارجية العرب، كان على جدول أعماله المشروع الفلسطيني لصدور موقف عربي إزاء اتفاقات التطبيع العربية الإسرائيلية. وقد وقف لبنان على الحياد، وذلك في ظلّ حكومة موالية لحزب الله أو على الأقل غير معادية له، وزارةَ خارجية ومؤسساتٍ دستورية كاملة قريبة وصديقة منه. أمّا في موضوع العداء لإسرائيل، فإنّ أيّ لبناني لا يطرح علامات استفهام حول ذلك".

 

أمّا المثل الثاني فهو بيان مجموعة الدعم الدولية لبنان في 23/9، والذي تمّت الإشارة فيه كما في كلّ مرّة إلى إعلان بعبدا... يقول عزيز في هذا الصدد: "أعتقد أنّ حزب الله ليس ضدّ المجموعة الدولية. فهل هو يرفض مندرجات البيان هذا، وأصلاً في حزيران 2012، وافق الحزب على إعلان بعبدا. لذلك يجب أن ننطلق من هذين النموذجين وغيرهما لنقول إنّ مفهوم الحياد قابل للحوار لجعله جامعاً مشتركاً للبنانيين وليس عامل انقسام بينهم".
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة