29 أيلول 2020
هذا اللاحياد يخدم إسرائيل
النهار:
غسان حجار

هذا اللاحياد يخدم إسرائيل

من السخافة القول إن الدعوة الى حياد لبنان تتضمن دفعاً الى الاعتراف باسرائيل والتطبيع معها، ومن المعيب ان تقابَل دعوات البطريرك الماروني الى الحياد الناشط، بالتخوين والتهم والكلام البذيء، وحسناً فعل الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بعدم التراجع والرضوخ لمشيئة فريق لبناني يريد ان يفرض رأيه وخطه السياسي بالترهيب المعنوي قبل المادي. إن تمسّك البطريرك الراعي بموقفه، وتكراره اسبوعيا، يدل على نضج الفكرة، ووعي اهميتها. 
 
الحياد لا يخدم اسرائيل على الاطلاق، يكفيها العودة الى اتفاق الهدنة، والتفاوض حول الحدود البحرية قبل البرية، لان الغاز المتوقع اكتشافه في البحر، يجعل من البقعة الجغرافية البرية تفصيلا بسيطا. ولا يعوز اسرائيل حاليا اتفاق سلام مع لبنان، فالسوق اللبنانية لم تعد مغرية وجذابة. مرفأ بيروت دُمِّر معنويا قبل الانفجار المادي، والصينيون، اهل الشرق الذي تتوالى الدعوات للتوجه اليه، بدأوا العمل في مرفأ حيفا. والقطاع المصرفي اللبناني الذي كان رائداً في المنطقة، دخل النفق المظلم، ويحتاج الى سنوات للتعافي. والانانيات اللبنانية، والحسابات السياسية الضيقة، منعت الشركات الاجنبية من الاستثمار في لبنان، وحرمت المدن والقرى اللبنانية من المصطافين، ولوثت البحر، والهواء، واليابسة، فراكمت النفايات وأحرقت الأحراج. الوضع المالي المنهار يهجّر آلاف اللبنانيين من دون ارهاب اسرائيل او المنظمات التكفيرية. 
 
أهل السلطة في لبنان، والاحزاب التي ترتبط بالخارج، وتنفّذ اجندات غريبة، اساءت الى لبنان، ودفعته الى تحالفات جهنمية قاتلة، اكثر من الدعوة الى الحياد، وهي الدعوة غير المخترَعة، اذ انها كانت في اساس الكيان عندما اتُّفق على "لا شرق ولا غرب"، وأعاد الرئيس ميشال سليمان تظهير الفكرة على طاولة الحوار الوطني عبر "إعلان بعبدا" الذي تحوّل وثيقة اممية، وكان هدفه تحييد لبنان عن الحروب السورية، من دون اسقاط حق لبنان في التصدي للارهاب والارهابيين الذين يهددون امنه واستقراره. كما ان دعوات البطريرك الماروني وغيره لا تسقط حق لبنان في محاربة اسرائيل او استرجاع اراضيه المحتلة بعد الاعتراف السوري بها، او اعلان النظام الحليف للبعض ان تلك الاراضي لا تدخل في ملكية سوريا التي تخلت عنها، كما عن الجولان المحتل، لأكثر من نصف قرن، ولم تستعده بالطبع. 
 
اعتماد الحياد هو الخطوة الايجابية التي تدفع الى الدولة المدنية التي يستعملونها كفزاعة، علما انها غاية وهدف لمن ينشد العيش في دولة عصرية للمستقبل. لكن تبديد الخوف الطائفي والمذهبي القائم، لا يتم إلا عبر اعتماد الحياد فلا يجرّ فريق البلد الى المحور الايراني - السوري، ولا يدفعه البعض الآخر الى الحضن السعودي او التركي او ما شابه، وتسقط دعوات من الزمن الجميل الى سوريا الكبرى او الوحدة العربية، اذذاك يمكن اللبناني ان يطمئن الى مصير البلد فيسكنه بأمان، ولا يتطلع الى الخارج، لانه مطمئن الى دستور يحميه، ويطبق، ويحظر الاتصال بالخارج والانضمام الى احلاف ومحاور، واقامة عداوات، والدخول في الصراعات. عندئذ يعود لبنان مصرف المنطقة، ومستشفاها، وجامعتها. وبغير ذلك، يستمرون في خطاب التخوين، فيما يقودون البلد الى الجحيم خدمة لاسرائيل إياها.
 
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة