24 تشرين الأول 2020
العمشيتية الروائية.. عفيفة كرم الرائدة
الجمهورية:
وضاح يوسف الحلو
العمشيتية الروائية.. عفيفة كرم الرائدة
منذ عصر الشاعرة الاغريقية «سافو» والعالم الثقافي لم يعرف كاتبة بهذه الجرأة والاقتحام وشراسة الاختراق التوليدي، رغم ما مرّ على هذه الدنيا من عقول خالقة بدءاً من انبياء وادباء.
مرّ كلمح بصر الكثير الكثير من المكوّنات الفكرية من الشرق الى الغرب، لكن احداً لم يشبه الشاعرة سافو او يتجاوزها. ومن المعروف لدى طبقة النقّاد، أنّ «سافو» تركت مجموعة شعرية تتغزّل وتمجّد وتعظّم قضيب الرجل وترفع من شأن الذكورية تحت عنوان «اوليسبوش».
اعطت البشرية عبر مئات ومئات من السنين الكثير من الثقافة المتنوّعة، لكن خلاصتها جاءت من عمشيت اللبنانية - الجبيلية، التي خرج منها رجالات فكر كبار، منهم: مخايل طربيا، والصحافي الابرز سليم وهبه عبر جريدته «الحكمة»، ورئيس تحريرها مارون عبود، والأهم في كل ذلك ظهور قدس الاقداس البطريرك ارميا العمشيتي، الذي تتجاوز عجائبه القديس مار شربل.
في هذه البيئة التاريخية المنتصرة، ولدت الروائية عفيفة يوسف كرم عام 1883 في شهر تموز، لوالد طبيب في ثكنات القشلق التركي، وأمّ تقرأ وتكتب يومها تحت اسم «فروسينا» في عمشيت الشبيهة ببلدة دير القمر. أضف الى ذلك، انّ عمشيت حقّقت تجاوزاً وسبقاً على بلدة دير القمر، بكثرة محسنيها، ومنهم مخايل طربيه، الشخصية النابضة والمحرّكة في رواية عفيفة كرم «غادة عمشيت».
 
في تلك الفترة التي ولدت فيها الأديبة عفيفة، كانت عمشيت تكتظ بشجر النخيل، فأُطلِقَ عليها لقب «بصرى لبنان»، واشتهرت بحلاوة تينها، فعُرفت وطنياً «بعمشيتي ياتين». وقد ذكر الأديب والشاعر غطاس سليمان في مخطوطاته، انّه عدّ اشجار النخيل في عمشيت فجاءت 1500 شجرة.
 
ولمّا كان والد عفيفة يوسف كرم طبيباً، عاشت الأديبة مع اختها امينة برضى حياة ويُسر مع امهما المثقفة يومها فروسينا، وحتى سنّ الـ 13 تلقت عفيفة بعض المعارف التعليمية، قبل ان تهبط «الدبلة الخطوبية» عليها من مهاجر ثري عمشيتي وهي لا تفقه او تستكشف مغاليق الحياة.
 
ولدت عفيفة في شهر تموز فكانت للدنيا، وفي نفس الشهر سلّمت سلاحها ودروعها في الاربعين من عمرها، ودخلت في «تونال» الحياة المظلم كنحلة صباحية نشطة، توزّ وتلملم الرحيق لقفيرها العطش. وعندما غادرت عفيفة عمشيت، تركتها طفلة مغطّسة بالدمع على أمل التلاقي بعد سنتين، لكنها لم ترها ابداً، وكان المطلوب من بلدية عمشيت ارجاع رفاتها بكلّ مهابة وتقدير مع انشاء مكتبة خاصة لها في عمشيت تحمل إسم «محبوبة عفيفة».
 
كرمها الحاتمي وإحسانها الشامل جعلاها تتبرّع بقطعة ارض في جبيل، مع مبالغ طائلة لبناء متحف لإبقاء تراث جبيل لأهلها، اذ ليس معقولاً ان يذهب ابن جبيل الى فرنسا للتعرّف على آثاره.
 
ولتحقيق هذا الهدف، واسطت عفيفة بعض المقرّبين من رجل الانتداب الجنرال ويغان، لكنه لم يردّ على الطلب. وما بين 1897 وعام وفاتها 1924 كرّسته عفيفة للعمل الصحافي وكتابة الروايات والترجمة، وخلّفت للأجيال روايات «بديعة وفؤاد» و»فاطمة البدوية» و»غادة عمشيت»، التي يدخل فيها كخيط حيوي ناشط المحسن الشامل مخايل طوبيا.
 
صدرت أولى الروايات لعفيفة كرم عام 1906 في اميركا تحت عنوان «فؤاد وبديعة»، وهي أولى الأعمال الأدبية النسائية العربية في مصر المتقدّمة في هذا المجال، إذ سارت الكاتبة الروائية زينب صاغرة وخاضعة للخطّ الذي اتّبعته عفيفة كرم ابنة عمشيت، ولم تهتم لإبداعها بلدية ناجحة ولا تذكرها أبداً، كما تجاهلت العجائبي البطريرك ارميا العمشيتي، وراحت تعير الاهتمام لأصغر تجّارها.
 
وفي عام 1908 صدرت رواية «فاطمة البدوية»، وهي قصة فتاة مسلمة من جبل لبنان، تقع في حب سليم المسيحي، على أساس أنّ الحب لا يعترف بوجود الدين.
وفي عام 1914 صدرت رواية «غادة عمشيت»، حيث دخلت شخصية المحسن الكبير ميخائيل طوبيا عنصراً دافعاً ومحرّضاً على النموّ الدرامي، ومع ذلك لم تهتم بلدية عمشيت، بل جمعت اهتماماتها في صغائر الأمور، حتى في تلك الفترة الباكرة، اذ تأسّس «كومسين» عمشيت عام 1890 من قبل الدولة العثمانية.
 
وفي هذا الخصوص، سأشير الى بعض نقائص بلدية عمشيت المشابهة والموازية لبلدية دير القمر، منها إعادة ذخائر الأديبة عفيفة صالح كرم وإقامة معرض لها مع الاهتمام بشخصية العجائبي البطريرك ارميا العمشيتي ومخايل طوبيا وسليم وهبه والاديب فارس غطاس كلّاب، واصدار كراريس تعريفية سنوية لأرنست ايتان، والأهم فتح مغاليق الصدور لشخصيات معاصرة، امثال رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وشقيقه محافظ جبل لبنان السابق نهاد سليمان. وعلاوة على كل هؤلاء، أذكر شهيد الخوري، الطبيب العمشيتي المغربي، كبلبل عند الفجر بسمّاعته التي لا تخطئ، وقد غادر الدنيا باكراً.
 
كانت الروائية عفيفة كرم معجوقة فخراً ونسباً بكل هذا «العش الثقافي العمشيتي» وهي في مهجرها الأميركي اليابس والجامد المكوّن شعبوياً من كلّ سكّان الارض (عائلتي بنسبة 80% ازهرت ونمت واتسعت في اميركا).
 
عفيفة الصحافية والروائية الرائدة، مهملة ومرمية وراء تلال من النسيان، مع انها اعطت ثمارها في عصر امين الريحاني وجبران خليل جبران ومخايل نعيمه، وكتبت عن قضايا ذلك العصر بما في ذلك احداث ثورة اكتوبر في مجلة «الاخلاق».
 
هل استيقظت عمشيت الحضارة؟
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة