07 تشرين الثاني 2020
الشرق الأوسط إنْ فاز بايدن!
الحرة

فارس خشان
الشرق الأوسط إنْ فاز بايدن!

لن يربح جو بايدن حتى لو سكن البيت الأبيض، ولن يخسر دونالد ترامب حتى لو خرج من رئاسة الولايات المتحدة الأميركية.

هذه النظرية التي تتحوّل، شيئاً فشيئاً، إلى قناعة لدى كثير من المراقبين السياسيين للانتخابات الرئاسية الأميركية التي تنتظر حسم لجان الفرز كما المؤسسات القضائية المعنية بالاعتراضات، لن تكون لها تداعيات على الداخل الأميركي فحسب بل هي ستمتد إلى خارجها، أيضاَ.

إنّ "الترامبية" لم تكن، منذ بدايتها، ولن تكون، حتى يومها الأخير في البيت الأبيض، سوى تكاملية على هذا المستوى، انطلاقا من أنّ الرؤية للداخل الأميركي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالرؤية الخارجية.

وهذا يشير الى أنّ انتقال البيت الأبيض من عهدة ترامب الى عهدة بايدن-في حال حصوله- لن يكون له تأثيرات "جوهرية" على السياسة الخارجية الأميركية.

وإذا كانت "النقاط الحارة" في الشرق الأوسط، اعتادت الرهانات الخاسرة على التغييرات في البيت الأبيض، فإنّها، في أماكن أخرى في العالم، بدأت تتعاطى، بشيء من "الخشية" مع هذه التغييرات.

إنّ دولاً أوروبية، مثل فرنسا مثلاً، على الرغم من "استيائها" من سياسات ترامب وتوتّر العلاقات معه، باتت تعتبر أنّ بايدن سيعيد واشنطن لاعباً مؤثّراً في "الاتحاد الأوروبي"، بالاعتماد على أسلوبه، من دون أن يغيّر، بالمحصلة، في النظرة الأميركية الى موقع أوروبا على الخارطتين الإقليمية والدولية.

وكانت فرنسا، على سبيل المثال لا الحصر، قد استفادت من "أسلوب" ترامب، من أجل أن تلعب دوراً قيادياً في "الاتحاد الأوروبي"، تحت عنوان توفير أكبر قدر من الاستقلالية عن الولايات المتحدة الأميركية.

وتسعى فرنسا وألمانيا، حتى قبل حسم نتائج الانتخابات الأميركية، إلى إقناع شركائهما الأوروبيين، بوجوب عدم الرهان على "أسلوب" جو بايدن "الهادئ"، لتغيير السياسة التي اتفقوا سابقاً على اتباعها حيال واشنطن، على اعتبار أن "الترامبية" راسخة في الولايات المتحدة الأميركية، وليست مجرد "صدفة عابرة".

وإذا ترك ترامب البيت الأبيض، فإنّ هذا لن يكون حدثاً مفرحاً لا للصين ولا لروسيا، إذ إنّ هاتين الدولتين تعرفان أنّ التحدّيات الحقيقية التي تواجههما في علاقتهما مع الولايات المتحدة الأميركية ليست "مسألة ظرفية" بل حقيقة جوهرية، وتالياً فهما تفضّلان أن يكون في الواجهة شخص "إشكالي" مثل ترامب، إذ إنّ خروج الرئيس الحالي من البيت الأبيض، سيُبقي على أفكاره، في الشارع كما في المؤسسات المفصلية في الولايات المتحدة الأميركية (مجلس الشيوخ، مثلاً)، على أن ينتقل تنفيذها لشخص "مؤسساتي" مثل جو بايدن، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على صورة واشنطن في العالم.

الأمر نفسه يسحب نفسه على الشرق الأوسط.

ثمة من نسي، مثلاً، أنّه حين وصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، هلّل النظام السوري لذلك، على اعتبار أنّ المواقف التي كانت تتخذها منافسته في الانتخابات الرئاسية هيلاري كلينتون، بالمقارنة مع المواقف الانتخابية لترامب، كانت قاسية جداً وخطرة للغاية.

وهؤلاء أنفسهم يهلّلون، اليوم لإمكان وصول جو بادين الذي كان يدعم كلينتون.

وإذا وصل بايدن الى البيت الأبيض، فإنّ سلوك الإدارة الأميركية تجاه النظام السوري، لن تكون إلّا تجسيداً لذاك النهج الذي وحّد القوى الأميركية حول "قانون قيصر"، مع فارق كبير أنّ القرارات الكبرى، كالانسحاب أو عدمه، لن تتّخذ في تغريدة في موقع "تويتر"، لتشهد لاحقاً "تخبّطاً تنفيذياً".

أمّا بالنسبة لإيران، ولو كان صحيحاً أنّ بايدن، يعارض الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، إلّا أنّ الصحيح أيضاً أنّه، ولأسباب كثيرة، لا يستطيع أن يعيد عقارب الساعة الى الوراء.

وسوف تستفيد إدارة بايدن ممّا تسبّبت به "عقوبات ترامب" لتفرض اتفاقاً جديداً على إيران "المرهقة"، بما يُراعي شروط الاستقرار الإقليمي.

وبهذا المعنى، فإن بايدن سوف يذهب، بأسلوبه، إلى حيث كان يخطط ترامب، بأسلوبه، أن يصل إليه.

ومهما كانت نظرة بايدن الى الدول الخليجية، إلّا أنّ العلاقات التي أقامها ترامب مع هذه الدول، بنت نفسها على "المصالح المشتركة"، وتالياً فهو سوف يجد نفسه، كالغالبية القصوى من الرؤساء الأميركيين، أمام مصالح ضخمة لن يستطيع أن يقفز فوقها.

وثمة تطوّر كبير لا بد من أن يفرض نفسه على الإدارة الأميركية الجديدة، وهو "اتفاق إبراهيم" الذي أعاد خلط الخارطة الاستراتيجية في المنطقة، وذلك على قاعدة تفاهم إسرائيلي-خليجي يأخذ عاملين في الاعتبار: إيران وتهديداتها، وتركيا وخططها.

وبغض النظر عن أنّ جو بايدن ليس باراك أوباما، فإنّ عهد ترامب شهد تغييرات أساسية في الشرق الأوسط.
ذلك انّ قيادة رجب طيب أردوغان انتقلت من مرحلة "صفر مشاكل" الى مرحلة "كل المشاكل"، تماماً كما انتقلت من مرحلة "التسامح الداخلي" الى مرحلة "التشدد القمعي".

وهذا يعني أنّ النظرة الأميركية إلى تنظيم الإخوان المسلمين في العالم العربي، التي بنت نفسها على "التجربة الأردوغانية"، قد تلاشت، حالياً، الأمر الذي سوف يسمح، ولو تغيّر الأسلوب، لواشنطن إن حكمها بايدن، أن تُبقي على ثوابت العلاقات التي أرساها ترامب مع الدول العربية عموماً ومع دول الخليج خصوصاً.

وإذا كان "الاستقرار الإقليمي" سيفرض نفسه على أجندة بايدن في التعاطي مع إيران، فهذا يعني أنّ النظرة الأميركية الى "حزب الله" في لبنان، لن تشهد أيّ تغييرات.

وفي موضوع "حزب الله" لا توجد فوارق كبيرة بين الجمهوريين والديموقراطيين، أو بين دونالد ترامب وجو بايدن.
ونظرة بايدن إلى لبنان، يعرفها رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان الذي اجتمع، خلال ولايته الرئاسية، ثلاث مرات، بمن كان، في حينها، نائب الرئيس الأميركي.

ويكشف سليمان أنّ بايدن، كما هو مدوّن في محاضرات هذه اللقاءات، ضد سلاح "حزب الله" وأدواره،" جازماً له أنه" لن يكون هناك أي تسوية مع أي دولة في الشرق الأوسط على حساب لبنان، بل من أجل لبنان المستقر والآمن والقوي بجيشه ومؤسساته".

بناء عليه، إن كثيرين ممّن رجموا دونالد ترامب، يُرجّح أن "يترحمّوا عليه"، ذلك انّ مشكلتهم الحقيقية ليست في من يدير سياسة الولايات المتحدة الأميركية بل في أنفسهم.

https://www.alhurra.com/different-angle/2020/11/06/الشرق-الأوسط-إنْ-فاز-بايدن
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة