12 شباط 2021
النظام التوافقي وتحديات الخيارات
النهار:
وليد صافي
النظام التوافقي وتحديات الخيارات
عَرَّفَ علماءٌ السياسةَ التوافقية بأنها شكل من أشكال تقاسم السلطة في نظام ديمقراطي، ونظروا إلى الدولة التوافقية بأنها دولة فيها انقسامات عامودية على أسس عرقية أو دينية أو لغوية تمنع تشكيل أغلبية. كما أقروا أن استقرار الدولة في النظام التوافقي يعتمد بشكل أساسي على التشاور بين النخب السياسية لهذه المجموعات. ويلفت علماء السياسة الذين درسوا هذه الانظمة الانتباه إلى أن الصيغة التوافقية تهدف إلى الاستقرار واستمرار ترتيبات تقاسم السلطة وتجنب العنف.
 أما في لبنان، فإن التعبير عن ترتيبات تقاسم السلطة على أساس طائفي جاء بمصطلح الطائفية السياسية.
يذهب Arend Lijiphart الذي انطلق بأبحاثه من النظام التوافقي في هولندا ما بين 1857 و 1967 بالقول إن الدولة الهولندية كانت مقسمة في ذلك الوقت إلى أربعة أعمدة: كالفيني، كاثوليكي، اشتراكي، عامة، مع نظام انتخابي تعددي حتى عام ١٩١٧. وبرأيه، فإن النظرية التوافقية تركز على دور النخب الاجتماعية، واتفاقهم وتعاونهم، كمفتاح لديمقراطية مستقرة. وفي الواقع، تلعب هذه النخب دور قفل قنطرة العقد la clé de voûte، فإذا انهار القفل تنهار القنطرة بأكملها، والامثلة على ذلك كثيرة في التجربة اللبنانية، لا سيما في فشل النخبة في الجمهورية الاولى في منع قوع الحرب الاهلية وفي مراهنة البعض على التدخلات الخارجية لمنع تطوير ميزان القوى في النظام، وكذلك قيام حزب الله في الجمهورية الثانية باستخدام سلاحه في المعادلة الداخلية لتغيير ميزان القوى بحجة الدفاع عن المقاومة في وجه القرارات التي اتخذتها حكومة السنيورة في العام ٢٠٠٨.
ومن بين خصائص الانظمة التوافقية التي تهدف إلى الاستقرار وتجنب العنف، قيام حكومة ائتلافية، توازن بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، نظام المجلسين Bicaméralisme، واحد يمثل المصالح الوطنية وآخر يمثل المصالح الاقليمية مع وجود تمثيل نسبي يسمح للأقليات بالحصول على تمثيل مقبول، حق الفيتو المتبادل ودستور صارم لجهة تعديله. كما يتميز هذا النظام التوافقي بخصائص التوظيف النسبي في أسلاك القطاع العام كافة وعلى أساس النسبة العددية. ومن اللافت ما جاء في بعض خصائص هذا النظام هي استقلالية المصرف المركزي لا سيما في رسم السياسة النقدية التي تقع على عاتق الخبراء وليس السياسيين.
 
ويلخص Lijiphart بعض العوامل المفضلة التي تساعد على استقرار هذه الانظمة وهي: توازن قوى متعدد، وجود تهديدات خارجية مشتركة بين جميع المجموعات، الولاءات الشاملة للدولة، تقليد توصل النخب إلى تفاهمات، المساواة الاجتماعية والاقتصادية ونظام معتدل متعدد الاحزاب مع أحزاب إقطاعية.
يقول جون ماكغري وبريندان أوليري، إن الشروط الاساسية لتقاسم ديمقراطي توافقي للسلطة، يقوم أيضًا على تحفيز النخب للانخراط في تنظيم الصراع، وأن يكون هناك ميزان متعدد للقوى، والاهم من ذلك برأيهما استقرار الثقافات الفرعية. وذهبت النخب في اللوكسمبورغ إلى استحداث آليات مرنة لتحقيق الاستقرار، حيث اتفقت على ألا تدخل القوى الامنية والقضاء في لعبة ميزان القوى، وأن تترك حكومة الائتلاف تنفذ برنامجها السياسي، وممارسة ديبلوماسية القمة حيث كل النخب مسؤولة عن تسويق التسوية إذا ما عقدت، وكذلك سحب أية مواضيع تثير الانقسامات من التداول بها في وسائل الاعلام.
ويقول مايكل كير في دراسته لدور الفاعلين الخارجيين في ترتيبات تقاسم السلطة في إيرلندا الشمالية ولبنان، "إن وجود ضغوط تنظيمية خارجية إيجابية تساعد في تزويد النخب بالحوافز والدوافع لقبولها والتعامل معها بشكل مترابط".
ويعتقد مؤيدو التوافقية بأنها تشكل خيارًا واقعيًا في المجتمعات المنقسمة بشدة، يمهد لاحقاً لعملية الانتقال الناجحة إلى الديمقراطية كما حصل في بلدان مثل جنوب أفريقيا. ويؤكد أوليري وماكغاري أن نتائج الترتيبات التوافقية التي تم تنفيذها في مساعي بناء الدولة في مرحلة ما بعد الصراع، غالبًا ما أثبتت جدواها لإنهاء الصراع الفوري وخلق الاستقرار اللازم لبناء السلام الداخلي، وقد لوحظت فائدة هذه الصيغة لأنها نهج واقعي ومرن لتشكيلات الهوية القائمة التي يصعب دمجها في نظام الأغلبية. هذه الهويات التي وصفها أمين معلوف بالهويات القاتلة، فإذا كانت الصيغة التوافقية غير قادرة على إدارة تناقضاتها فكيف سيكون الحال في أنظمة الاكثريات؟
 
الاسئلة التي تطرح نفسها: لماذا تتعثر التوافقية اللبنانية؟ وهل المشكلة في طبيعة النظام وآليات عمله، أم في غياب قدرة النخب على صياغة التفاهمات المطلوبة لتشغيل النظام؟
لا شك أن التوافقية اللبنانية تتطابق من حيث مبادئها مع معظم مبادئ النظام التوافقي المتعارف عليه بين علماء السياسة، في حين أن أحد المبادئ الرئيسية التي نص عليها اتفاق الطائف وهو إنشاء مجلس شيوخ، ما زال نصًا معلقًا على انتخاب مجلس وطني خارج القيد الطائفي، وعلى تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية. وقد أثبتت التجربة والواقع أنه أمر مستبعد في الوقت الحالي، نظرًا للتوتر القائم في العلاقات بين النخب السياسية وانعدام الثقة والمخاوف القائمة بين الطوائف، ونظراً لتراجع دور الدولة التي فقدت أحد أهم مقوماتها السيادية، وهو ممارسة سيادتها على قراري السلم والحرب وعلى سياستها الخارجية، الامر الذي تسبب بفقدان ما يسميه مايكل كير "دور الفاعلين الخارجيين الايجابي في تعزيز استمرار ترتيبات تقاسم السلطة وبناء السلام". والمعروف أن هذا الدور كانت قد لعبته مصر إبان المرحلة الشهابية، ولعبته المملكة العربية السعودية والجامعة العربية في محاولة لإنهاء ذيول حرب السنتين وكذلك في التحضير لانعقاد مؤتمر الطائف، لإنهاء الحرب الاهلية وإجراء الاصلاحات المطلوبة في النظام السياسي.
 
هذا النظام ومع تسوية الطائف تم الحفاظ على خصوصيته التي تضمنها الميثاق الوطني غير المكتوب عام ١٩٤٣ والنصوص الدستورية والاعراف التي بني عليها ما يعرف في النظام التوافقي بترتيبات تقاسم السلطة، ولكن مع تغيير في ميزان التقاسم الذي جرى على قاعدة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. والجدير بالذكر أن تقاسم الوظائف الادارية والعسكرية والمالية العليا في الدولة، لم يخضع أيضاً كما تنص مبادئ الانظمة التوافقية لقاعدة النسبية المرتبطة بالعدد، إنما خضع لقاعدة التوافق على المناصفة وهذا كان من شأنه المساعدة في إعطاء الطمأنينة للمسيحيين الذين لم يعدّ يشكلون أكثر من ٣٠٪ من مجموع اللبنانيين. لكن للأسف، فإن النخبة المتمثلة بالتيار الوطني الحر التي دخلت السلطة عمليًا بعد العام ٢٠٠٥، وانطلاقاً من موقفها المعادي لاتفاق الطائف، رفعت شعار استعادة الحقوق المسيحية في الوظائف وقامت بتوظيفه في لعبة إنشاء ميزان قوى جديد ارتبط بتفاهمات مع حزب الله على حساب سيادة الدولة، وهذا الامر ساهم بخلق تشنجات سياسية لأنه يتعارض مع ما تم الاتفاق عليه في الطائف الذي أبقى أيضاً قاعدة المناصفة في الجيش والاجهزة الأمنية وفقًا للمقتضيات الوطنية، ولكنه اعتمد على قاعدة الكفاءة للوظائف ما دون الفئة الاولى والذي كان من المفترض أن يؤدي دوره الاساسي فيها مجلس الخدمة المدنية. هذا المنحى في توجه استعادة الحقوق خلق أيضاً مناخاً من منافسة داخلية مفتوحة، وكما يقول دونالد هورويتز: "إن التوافقية في الاصل تعتمد على التعاون المنافس، وهو أمر غير مستقر بطبيعته"، فكيف إذا تم اختلاق منافسة أخرى غير مشروعة على مستوى الوظيفة العامة، منافسة تستحضر مناخ النزاع على الإمساك بمفاصل القرارات الادارية على قاعدة الزبائنية المذهبية والتي ساهمت بتفريغ الوظيفة العامة من محتواها الحيادي.
وبالعودة إلى ما وصفه Arend Lijiphart بالعوامل المفضلة التي تساعد في استقرار هذه الانظمة، فإننا نشير إلى أن تشغيل النظام اللبناني مر بعد اتفاق الطائف بعدة مراحل حيث نمت فيها عدة عوامل أدت إلى عدم استقراره وهي مصنفة على الشكل التالي:
 
أولاً: في الممارسة السياسية لبعض النخب لا سيما في أعلى الهرم السياسي، ثمة توجه واضح في الخروج عن قواعد التوافق والتصرف وفقاً لميزان قوى يتغذى من الاستقواء بالخارج غير الايجابي، وهذا ما نشهده في هذه الايام من تعطيل المبادرة الفرنسية والتأثير على سيرورة تشكيل الحكومة بحيث تأتي انعكاسًا لميزان القوى وليس لمتطلبات الاصلاح وحل الازمة المالية ولجم تداعياتها. كما ساهم هذا السلوك لا سيما في السنوات الاربع الاخيرة، في تعطيل مجلس النواب في استحقاقات انتخاب الرئيس وذلك من أجل اختيار رئيس للبلاد وفقاً لميزان القوى وليس سنداً لقاعدة التوافق.
ولا شك في أن استخدام القضاء وبعض الاجهزة الامنية في لعبة ميزان القوى كان له آثاره الكارثية على العلاقة بين الطوائف، وعلى إضعاف الثقة بالدولة ومؤسساتها والشواهد على ذلك كثيرة، إن في فتح ملفات الفساد على خلفيات سياسية أو في تعطيل التشكيلات القضائية أو في تعثر التحقيق في جريمة انفجار الرابع من آب أو في أحداث طرابلس الاخيرة التي استُغل فيها الفقر والحرمان لتحويلها إلى صندوق بريد للرسائل الساخنة إن في لعبة تشكيل الحكومة أو في لعبة الاستمرار في إضعاف دور الطائفة السنية، كمقدمة لطرح تعديل الموازين التي قام عليها اتفاق الطائف.
 
ثانيًا: لوحظ منذ سنوات أن الولاء للدولة في أضعف مستوياته في مقابل تعزيز الهويات المذهبية والمناطقية، وقد ساهم فشل الحكومات المتعاقبة في حل أزمة الكهرباء والنفايات والتراجع في مستوى الخدمات كافة، في إضعاف الولاءات للدولة، وقد جاءت الازمة الاقتصادية الاخيرة وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين وفشل الحكومة الحالية في إيجاد حلول عقلانية لهذه الازمة وتوفير سبل مواجهة الازمة الاجتماعية الناجمة عن الوضع المالي وأزمة تفشي وباء الكورونا، لتؤكد انهيار الثقة بالدولة ومؤسساتها، والدليل الساطع هو انتفاضة السابع عشر من تشرين الاول عام ٢٠١٩.
ثالثاً: يشكل التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الذي كان قائمًا قبل وقوع الازمة سببًا من أسباب عدم الاستقرار حيث يحوز ١٠٪ من اللبنانيين الاغنياء على ٥٠٪ من الثروة الوطنية، كما تشكل نسبة الضرائب المباشرة أعلى نسبة في دول المنطقة. وقد أدى انهيار العملة الوطنية وتداعيات كورونا إلى ارتفاع نسبة الفقر التي قد تتجاوز الـ٥٠٪ وهذا من شأنه أن يتسبب بإضعاف استقرار النظام لا سيما في غياب أية خطة حكومية جدية للمعالجة وللاصلاح وفي تراكم أحزمة البؤس في أكثر من مدينة أو منطقة.
 
رابعًا: في تقليد توصل النخب إلى تفاهمات تؤدي إلى استمرار تقاسم السلطة وتسهيل عمل النظام ثمة تاريخ مفصلي في حياة الجمهورية الثانية وهو استشهاد الرئيس رفيق الحريري الذي فقد لبنان برحيله أهم الشخصيات التي تميزت بالقدرة على التعامل بطريقة مرنة للتوصل إلى تفاهمات، وقد شاركه في مسيرة التفاهمات هذه الرئيس الراحل الياس الهراوي، الرئيس نبيه بري، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط والنائب الراحل ميشال المر. شكلت مرحلة ما بعد الاغتيال والانسحاب السوري دخول نخبة جديدة إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية حيث أحدثت نخبة التيار الوطني الحر ونخبة حزب الله القادمة إلى السلطة التنفيذية من تجربة متواضعة في السلطة التشريعية، تحولًا كبيراً في عمل المؤسسات الدستورية بحيث فرض حزب الله بواسطة ميزان القوى الجديد الذي نشأ بعد ٧ أيار ٢٠٠٨ ما سُمي بالثلث المعطل والحكومة الائتلافية التي تضم كافة الاطراف ولكنه خرج عن مبدأ الحكومة الائتلافية في حكومة حسان دياب. حكمت النخب القادمة من حزب الله عمل الحكومات سنداً لقاعدة ميزان القوى، وهي نخبة تتناقض ثقافتها الدينية مع الثقافة المدنية التي سادت المراحل السابقة في حياة الجمهورية، وهي أيضاً ثقافة مرتبطة بمشروع الجمهورية الاسلامية أكثر من ارتباطها بفكرة لبنان الكبير، وتستند إلى لعبة ميزان القوى على حساب لعبة التوافق، الامر الذي أسقط حكومة الحريري عام ٢٠١١ وعطل لاحقًا مبادرات لتسهيل إدارة النظام وتحييده عن صراعات المنطقة، وأهم النماذج كان الانسحاب من التوافق الذي جرى في عهد الرئيس ميشال سليمان حول إعلان بعبدا والذي يشكل خارطة طريق تمكّن من تجنب النزاعات وتؤدي إلى استمرار تقاسم السلطة في مناخ يسهّل عمل المؤسسات الدستورية ويجنّب لبنان الدخول في نزاعات الجوار.
 
أما النخبة القادمة من التيار الوطني الحر الذي قدّم نفسه في مرحلة الوصاية السورية كتيار سيادي ما لبث أن أسقط السيادة عن أجندته السياسية بعد اتفاق مار مخايل ليدخل السلطة بتسوية مع حزب الله تعلّق دور الدولة في قرار السلم والحرب وتغطي سلاح الحزب ودوره في المنطقة، مقابل إطلاق يد التيار في المعادلة الداخلية من أجل ميزان قوى جديد. استثمرت النخبة القادمة من التيار هذا التفاهم لتعزيز حضور التيار في مؤسسات الدولة الدستورية والادارية والقضائية والعسكرية والامنية وأحياناً كثيرة على حساب الكفاءة وعلى حساب الشركاء المسيحيين مثل القوات اللبنانية وحزب الكتائب. كما حاول رئيس التيار النائب جبران باسيل الاستفادة من هذا التحالف لإضعاف الرئيس بري، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية، وذلك في إطار التحضير لمعركته الرئاسية، مستخدماً أساليب فيها تحديات واستحضار الماضي الاليم، ما أدى إلى ارتفاع حدة الانقسامات المذهبية واندلاع أعمال عنف كما حصل في قبرشمون حيث ذهب ضحية هذا السلوك عدد من الضحايا وهدد بحصول انشقاق درزي - درزي. ولا شك في أن مشروع التيار الوطني الحر لم يكن سوى الوصول إلى السلطة والتمسك بها، وفي هذا الاطار، رفع شعار "الرئيس القوي"، الذي يتناقض مع مفهوم موقع الرئاسة في روحية اتفاق الطائف وفي ضوابط النظام التوافقي حيث يجب على الرئيس عندما يقسم اليمين الدستورية ويتولى سدة الرئاسة أن يستقيل من حزبه ويصبح رئيسًا لكل اللبنانيين، وبخلاف ذلك تصل البلاد إلى ما وصلت إليه الآن حيث بات الرئيس فريقًا وفقد صفته كحكَم ومصدر من مصادر استقرار النظام. استحضار فكرة الرئيس القوي تستحضر معها ما انتهى إليه عهد الرئيس كميل شمعون وعهد الرئيس سليمان فرنجية، لذلك، تتطلب التوافقية تغليب فكرة العقلانية والمرونة على فكرة القوة وموازينها للتوصل إلى تفاهمات تعزز الاستقرار. لقد جاء طرح فكرة الرئيس القوي ولاحقًا الثلث المعطل في شعارات مغلّفة مثل وحدة المعايير وغيرها، وكذلك التعامل من منطلق ميزان القوى ليؤكد استمرار الطلاق بين التيار الوطني والطائف الذي تعرض لاكبر امتحان في عهد الرئيس ميشال عون.
 
في النهاية، لبنان يمر بمرحلة مصيرية حيث يجتاز مئويته الاولى في إطار تحديات إقليمية وداخلية كبيرة، يسيطر فيها الخوف والقلق وانعدام الثقة بين الاطراف المتقابلة وبين الناس والدولة، وذلك في غياب أي مشروع وطني باستثناء مشروع حزب الله، المرتبط بالجمهورية الاسلامية والذي أخذ يهدد ليس فقط مصير الدولة وإنما مصير الكيان. التفكير الهادئ والعقلاني يفترض النظر إلى الحلول بواقعية وعدم الانجرار لا إلى تحويل الدولة إلى نظام فيدرالي الذي يفتقد برأيي إلى مقومات النجاح في لبنان لأسباب عديدة، ولا إلى تغيير ميزان القوى للدفع إلى مؤتمر تأسيسي لتغيير المعادلة القائمة، إنما للعودة إلى اتفاق الطائف في مندرجاته كافة وإعلان حياد لبنان. هذا الاتفاق ما زال يشكل الاطار السياسي الوحيد، الذي وضع حداً للحرب الاهلية التي دامت خمسة عشر عامًا، كما أنه الاطار الوحيد لبناء استقرار مستدام وتقاسم سلمي للسلطة ومنع تجدد العنف. وربما يشكل تطبيق الطائف بشكل كامل، أحد أهم الخيارات التي قد تؤسس للانتقال إلى نظام سياسي قائم على المنافسة السياسية والمواطنة، على غرار ما جرى في جنوب أفريقيا وفي هولندا والنمسا.
بخلاف ذلك يدخل لبنان في المجهول وسط تحولات جيوسياسية كبيرة في المنطقة، ووسط التجاذب القائم على سوريا وجغرافيتها وموازين القوى فيها. وقد تأتي في لحظة معينة، تقسيمات جغرافية جديدة على حساب لبنان وسلامة أراضيه، ومن الممكن أن يكون المقص الروسي والاميركي أسوأ بكثير من مقص مارك سايكس وفرنسوا جورج بيكو.
تابع الرئيس على
© 2021 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة