07 حزيران 2021
كوارث لبنان في اللاحياد
النهار
طوني عطالله

كوارث لبنان في اللاحياد

نادى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس #الراعي بالعودة إلى #الحياد كمخرج ينقذ البلد الصغير المهدد من أزماته المتناسلة ومن المحاور والانحياز التي انتهجتها السلطة المركزية خصوصا في السنوات الأخيرة وكبدت #لبنان كلفة باهظة، وألحقت به كوارث بفعل خرق حياده.
موضوع الاستقلال والحياد اللبناني ليس موضوعًا جديدًا بل هو من الثوابت اللبنانية. وتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية هو في صلب النظام التأسيسي لجبل لبنان في بدء عهد المتصرفية 1860، وفي صلب الميثاق الوطني 1943 (لا للغرب ولا للشرق)، والبيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة، وميثاق جامعة الدول العربية والقرار الخاص المتعلق باحترام استقلال لبنان وسيادته (25/12/1944)، وسياسة لبنان الخارجية الرسمية منذ 1943، والميثاق التأسيسي لمنظمة الأمم المتحدة الذي اعتمدت فيه المنظمة الحياد بين الدول والامتناع عن المشاركة في حالة الحرب والمحافظة على موقع الحياد (24/11/1945)، وكل قرارات الأمم المتحدة حول لبنان. أما "اتفاق القاهرة" فهو واحد من نماذج في خرق الحياد منذ 1969، وليس هو الوحيد في الخرق.
 
جاء في إعلان بعبدا (2012) الذي وافق عليه جميع الأطراف المشاركين بالإجماع: "تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية وتجنيبه الانعكاسات السلبية للتوترات والأزمات الإقليمية، وذلك حرصًا على مصلحته العليا ووحدته الوطنية وسلمه الأهلي...".
 
ما من حاجة في لبنان إلى دراسات تجريدية في الحياة السياسية، بل الحاجة إلى استنباط الخبرة التاريخية المعاشة لدى كل اللبنانيين، ولدى كل لبناني، وكل عائلة، وكل قرية لبنانية حول كوارث اللاحياد. والحذر، كل الحذر، من الدراسات التجريدية حول الحياد في لبنان. وتاليًا، لا بحوث، لا محاضرات، لا رسائل، ولا أطروحات بعد اليوم إلا عن كوارث ومصائب ومعاناة الناس، معاناة كل لبناني، وكل اللبنانيين، وكل عائلة، ومن كل الطوائف، في اللاحياد. كفى أبحاثًا تنظيرية، والحاجة القصوى إلى أبحاث إختبارية ميدانية.
 
ما يعيشه اللبنانيون خصوصا منذ 2016، هو احتضار لبنان. وهل يحتاج اللبنانيون الى مزيد من الحروب والارهاب، الذي يحصد الجميع في فترات مختلفة وبحسب الظروف الاقليمية، لكي يدركوا جماعيًا مدى الخطر المشترك الذي يهددهم؟ وما هي نتائج خرق الحياد اللبناني؟
 
حصلت خلال الحروب في لبنان اغتيالات بالعشرات... بدءًا بالقائد كمال جنبلاط (15/3/1977)، ثم الرئيس المنتخب بشير الجميّل (14/9/1982). وتوالت اغتيالات أخرى بينما الخطاب اللبناني مستمر اجتراريًا حول القضية والقضايا... على حساب لبنان وحياة الناس وعيشهم وحريتهم وأمنهم اليومي ومستقبل أولادهم. 
 
أفرغت الاغتيالات الدولة من عدد كبير من قياداتها وساهمت عوامل اخرى، أهمها اضطرار بعض الزعماء الى الهرب خارج البلاد والإقامة في المنفى مثل صائب سلام وريمون إده وغيرهما، في تصفية رواد الميثاق الوطني، فانزلقت اوضاع البلاد الى حالة افاد منها الخارج بوضوح.
 طاولت الاغتيالات عددًا لا يستهان به من الشخصيات اللبنانية من كل الأطياف بفعل خرق استقلال لبنان وسيادته، أبرزها: مجزرة اهدن واغتيال طوني فرنجية وزوجته وابنتهما (13/6/1978)، واختفاء الامام موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب وعباس بدرالدين (29/8/1978)، اغتيال الصحافي سليم اللوزي (4/3/1980)، ونقيب الصحافة رياض طه (23/7/1980)، مايا كريمة الرئيس بشير الجميل استُشهدت بتفجير استهدف سيارة والدها (23/2/1980)، الشيخ راغب حرب (16/2/1984)، محاولة اغتيال الشيخ بيار الجميّل الجدّ (1984)، اغتيال الشيخ صبحي الصالح (7/10/1986)، رئيس الحكومة رشيد كرامي (1/6/1987)، المستشار الرئاسي محمد شقير (2/8/1987)، المفتي الشيخ حسن خالد (16/5/1989)، النائب لويس أبو شرف (1989)، النائب ناظم القادري (1989)، الرئيس رينه معوض (22/11/1989)، والقياديون في حركة "أمل" داود داود ومحمود فقيه وحسين سبيتي (22/9/1989)، ومن الحزب القومي محمد سليم وتوفيق الصفدي وايلي الجاكل (1987)، ومن الحزب الشيوعي اللبناني حسين مروّه وخليل نعوس ومهدي عامل (حسن حمدان) في العام نفسه (1987)، محاولات اغتيال كميل شمعون (7/12/1987) وجوزف سكاف (21/9/1988)، ومجزرة نهر الموت (30/10/1990)، واغتيال داني شمعون (12/10/1990)، والسيد عباس الموسوي (16/2/1992)...
 
يمكن تصنيف الشخصيات التي اغتيلت خلال مراحل الحرب بين 1975-1990 بتوزيعها على الفئات الآتية: رؤساء جمهورية وحكومة، وقيادات سياسية وحزبية، ورجال دين مسلمون ومسيحيون وراهبات (أكثر من 37 اعتداءً في الفترة المذكورة على القيادات الروحية وحدها)، الصحافيون والعاملون في وسائل الإعلام، العسكريون والقيادات العسكرية والأمنية، الأطباء (أكثر من 16 في "حرب السنتين")، الصيادلة (أكثر من 7 في الفترة نفسها)، الاساتذة الجامعيون (أكثر من 11 في الفترة نفسها)، الاساتذة غير الجامعيين (أكثر من 27 في سنتين 1986-1987)، الخسائر البشرية في الجامعة الأميركية في بيروت، وفي جامعة القديس يوسف، الكتّاب والأدباء والشعراء (أكثر من 5 إغتيالات في 1980-1989)، المتطوعون والعاملون في الصليب الأحمر (بالعشرات)، السياسيون، القضاة والسفراء والموظفون الإداريون من الفئة الأولى وسائر الفئات، رؤساء البعثات الديبلوماسية والقناصل في لبنان... عدا التهجير والخطف والقتل الذي لحق بالمواطنين العاديين والآلاف من مفقودي الحرب، إضافة إلى مئات المحازبين من شهداء الأحزاب اللبنانية. وما بين 24/6/1979 و21/12/1994 انفجرت أكثر من 125 سيارة ملغومة قتلت المئات وجرحت عشرات الآلاف من المواطنين.
 
عندما بوشر مسلسل متكرر ومتجدد مع محاولة اغتيال مروان حماده وقبله ايلي حبيقة... ثم اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وموكبه ومعه باسل فليحان من خلال حرب ارهابية أشد تنظيمًا (14/2/2005)... ثم سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار أمين الجميّل ووليد عيدو وانطوان غانم ووسام عيد ووسام الحسن ومحمد شطح وآخرين... عدا محاولات الاغتيال (الياس المر، مي شدياق...) بدت كل هذه الاغتيالات ومحاولات الاغتيال تحديًا للقرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 2/9/2004 الذي "طالب جميع القوات الأجنبية بالإنسحاب من لبنان"، و"إجراء انتخابات رئاسة الجمهورية اللبنانية بشكل حرّ وعادل"، و"الاحترام الكامل لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، واستقلاله السياسي..."، وردًا على إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان لمعرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري والجرائم المتصلة بها.
 
وضعت الاحتلالات اللبنانيين وقادتهم أمام واقع شديد الصعوبة: إما الخضوع والتزام الصمت، وإما القتل. هكذا أطاحت الاغتيالات نخبة من القادة، بعضهم ناهضوا الاحتلال، وبعضهم الآخر إضطروا إلى التعامل مع "باب عالي"، عن قناعة أو بالإكراه، وبمعزل عمن هو هذا الباب، أو تعاونوا أو تواطأوا معه، لا فرق، لكنهم جميعًا ذهبوا في النهاية ضحية اغتيال.
 
ليس الهدف نكء جروح الحرب أو استعادة أبشع صورها ولحظات الرعب، بل التنبيه من مآسي اللاحياد، وحرصًا على القيادات الحالية، وعلى "قوتها"، وهي ليست بالضرورة قوة ذاتية، بل أحيانًا هي أشبه بعضلات منفوخة اصطناعيًا بدعم خارجي تفاخر به جهارًا، تمويلاً وتسليحًا. وهذا ما يُثير فينا التساؤل: ماذا تعلّم اللبنانيون من سنوات الحروب؟ 
 
عميد المعهد العالي للدكتوراه في الحقوق والعلوم السياسية والإدارية والاقتصادية سابقًا، الجامعة اللبنانية
تابع الرئيس على
© 2021 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة