10 تشرين الثاني 2021
أزمة داخلية تختصر أزمات المنطقة
اللواء
نزار عبد القادر

أزمة داخلية تختصر أزمات المنطقة

بعدما بلغت أزمة العلاقات المتدهورة بين المملكة العربية السعودية وثلاث دول خليجية وبين لبنان منعطفاً خطيراً، يمكن أن تترتب عليه نتائج دراماتيكية على الوضعين الاقتصادي والمعيشي، بالاضافة إلى تهديد حياة ومستقبل مئات آلاف العائلات اللبنانية العاملة المقيمة في هذه الدول، كان من الطبيعي أن يُبادر أمين عام الجامعة العربية أحمد أبو الغيط إلى إيفاد مساعده السفير حسام زكي في مهمة استطلاعية للبحث عن مخرج للأزمة الراهنة.

في الواقع، تدرك الأمانة العامة للجامعة، كما يدرك اللبنانيون بأن أزمة علاقات لبنان مع المملكة والدول الخليجية الثلاث ليست بالأزمة الطارئة، بل هي وليدة تراكمات لمواقف صدرت عن قيادات حزب الله، بالاضافة إلى تدخلات عسكرية في اليمن وفي بعض الدول الخليجية، والتي ترافقت مع مواقف رسمية عبّر عنها وزراء خارجية لبنان، في أكثر من مؤتمر عربي، اعتبرت مسيئة لعلاقات لبنان مع الأشقاء العرب، كما مثلت خروجاً على التضامن العربي.

بعد الجولة الاستطلاعية التي قام بها السفير زكي والتي شملت زيارات للرؤساء الثلاثة مع اجتماع مع وزير الخارجية السفير عبد الله بو حبيب ألمح الأمين العام المساعد بأن على لبنان اتخاذ خطوة، تشكل نقطة البداية للبحث في إعادة تصحيح علاقات لبنان مع الدول الخليجية. ويتبادر في نهاية الأمر إلى الذهن سؤال صريح عن هوية المسؤول عن اتخاذ هذه الخطوة، في وقت تتقاعس فيه مؤسسات السلطة ورموزها عن القيام بأية خطوة واضحة على طريق تصحيح الخطأ الحاصل والمتمادي في علاقات لبنان مع الدول الخليجية. فالرئيسان ميشال عون ونبيه بري يلتزمان الصمت، وكأن القرار الخليجي بكل مفاعيله الضارة بسمعة لبنان واقتصاده ومصالح مغتربيه في الدول الخليجية لا يعنيهما، وسيان عندهما إذا طفح الكيل مع الدول المعنية واتخذت اجراءات عقابية ضد الدولة اللبنانية، بعدما وقعت تحذيراتها السابقة من مغبة الخروج على التضامن العربي على آذان صماء لدى السلطات اللبنانية. وفي الوقت الذي استفحل فيه قرار حزب الله في التدخل عسكرياً في عدة دول عربية، وفي الوقت الذي طغت فيه مشاعر الكراهية لقيادات الحزب للعائلات والطبقات الحاكمة في الخليج، استمر الرئيس والحزب الحاكم بالالتزام باتفاقية مار مخايل التي وقعها مع حزب الله، وتناسوا مطلب الحياد عن الصراعات العربية، والذي اعتمدته حكومة ميقاتي الثانية بصورة مخففة، بدعوتها لاعتماد سياسة «النأي بالنفس»، كما انقلبت على اعلان بعبدا الذي اقرته طاولة الحوار في عهد الرئيس سليمان، والذي تضمن دعوة صريحة لاعتماد الحياد كوسيلة لاعادة التوازن لعلاقات لبنان العربية، وإعادة إحياء وظيفة السلطة في الحفاظ على السيادة الوطنية.

بعد حرب عام 2006 مع اسرائيل وبموجب مفاعيل القرار الدولي 1701 والذي وافق عليه حزب الله، لم يعد هناك من دور لسلاحه في مقاومة الاحتلال ومواجهة الاعتداءات الاسرائيلية والتي اصبحت على عاتق الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية. وهكذا عاد حزب الله للعمل السياسي الداخلي وضمن معادلة الاستفادة من قدراته العسكرية لملء الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات السورية من لبنان في نيسان 2005. وبالفعل فقد نجح حزب الله من خلال تحركاته على الارض، وتحديداً في بيروت، ومن خلال العملية العسكرية المفاجئة في العاصمة في 7 أيار 2008، وما أنتجت من مفاعيل من خلال اتفاق الدوحة في فرض سيطرته على الأرض وعلى مفاصل صنع القرار الوطني اللبناني، بحيث اصبح اللاعب الأساسي في الانتخابات النيابية وفي تشكيل الحكومات وتوزيع الحصص داخلها، وفي تماسكها، وفي خلق الاسباب اللازمة لاستقالتها. وكانت قمة انجازات الحزب السياسية بالداخل فرض الظروف المناسبة لتسليم خصومه السياسيين في 14 آذار بالأمر الواقع والخضوع لإرادته في تنصيب الرئيس عون كرئيس للجمهورية ضمن ما بات يعرف بالتسوية السياسية المشؤومة، والتي وصفها الوزير مروان حماده بأنها تسليم بهيمنة حزب الله على البلد، وبأن الرئيس الحريري قد ارتكب خطأ استراتيجياً ووضع ظهور جميع حلفائه ومعهم اللبنانيين على الحائط.

إن الأزمة المستمرة التي يواجهها لبنان منذ عام 2006 هي أزمة داخلية بامتياز، وهي تختصر ازمات المنطقة، وخصوصاً تلك الأزمات الناتجة عن السياسات والتدخلات الايرانية في داخل الدول العربية من اجل الهيمنة عليها، وخصوصاً في سوريا والعراق ولبنان واليمن. وأنه لمن الطبيعي جداً ان تكون لأزمة لبنان الداخلية في ظل ضعف وهشاشة السلطة وسيطرة حزب الله على المفاصل الاساسية للقرار الوطني ارتدادات على مختلف الدول العربية. لقد سبق لي وكتبت مقالاً في جريدة الديار في 2 آذار عام 2006 بعنوان «أزمة داخلية تختصر أزمات المنطقة»، وكان ذلك يوم بدء اجتماعات طاولة الحوار التي دعا اليها في المجلس النيابي الرئيس نبيه بري، والتي ضمت مختلف القوى السياسية، وانفراط عقد الحوار عند نقطة بحث سلاح حزب الله وضرورة تحييد لبنان، كما ذهبت مفاعيل كل الاتفاقيات التي حصلت حول البنود الأخرى أدراج الرياح.

نحن اليوم نواجه ظروفاً أشد قساوة وأشد صعوبة، كما نواجه انقسامات عامودية هي اعمق مما كان سائداً عام 2006، وذلك نتيجة التراكمات السلبية لأداء اهل السلطة واستشرائهم في خدمة مصالحهم في ظل الحماية التي يؤمنها لهم فائض نفوذ حزب الله. واللافت الآن ان حزب الله قد تحوّل إلى المارد الذي خرج من القمقم بعد تمدد عملياته العسكرية وعملياته الخاصة إلى داخل الدول والمجتمعات العربية، بالاضافة إلى تشكيله رأس حربة لفيلق القدس للهجوم سياسياً وإعلامياً ضد الأنظمة الخليجية، من دون تقدير أو الأخذ بعين الاعتبار الأضرار التي يتسبّب بها للدولة وللشعب اللبناني.

إن الأزمة في الأصل هي أزمة داخلية، وهي ليست في وجهها الراهن نتيجة تصريحات متسرعة لجورج قرداحي حول طبيعة الحرب الدائرة في اليمن، بل هي نتيجة للاعصار الذي بدأ يتكون منذ عام 2006، والذي حذر من مفاعيله الرئيس ميشال سليمان في آخر سنتين من عهده، ولما لم ينفع التحذير اعلن ثورته عليه بنعته المعادلة الذهبية «الجيش والشعب والمقاومة» بالمعادلة الخشبية.

في رأينا لن تقدّم استقالة جورج قرداحي أو تؤخر في مسار علاقات لبنان المتدهورة مع المملكة والدول الخليجية، ويتطلب وقف هذا التدهور وتصحيح العلاقات عملاً سياسياً عميقاً وتوافقاً بين القوى السياسية المؤمنة بالسيادة وبين قيادات حزب الله.

سيكون من الصعب في ظل المشاركة الفعلية لحزب الله في ازمات المنطقة الطلب إلى الحزب بنزع سلاحه، ووقف كل تدخلاته في هذه الصراعات، لأن القرار في هذين الأمرين ليس في يده، بل في يد الحرس الثوري الذي استثمر مليارات من الدولارات وفي الزمن لفترة امتدت على اربعة عقود كاملة في تشكيل وتدريب وتجهيز الحزب وتسليحه. ولكن يمكن اقناع الحزب للارتباط بميثاق شرف يوقف بموجبه عملياته الخاصة باتجاه الدول الخليجية، بالاضافة إلى هجماته الاعلامية ضدها.

ماذا يمكن للبنان ان يفعله في حال رفض حزب الله تعديل سلوكيته «العدائية» ضد المملكة والدول الخليجية؟

تقضي المصلحة الوطنية العليا في حالة الرفض لتغيير سلوكيات الحزب ان يتحرر رئيس الجمهورية وجميع القوى السيادية من اي التزامات او روابط سياسية مع الحزب، على ان تبادر القوى السيادية إلى اخذ بعض الدروس والعبر من التجربة العراقية خلال السنتين السابقتين، حيث قررت الاكثرية الشعبية النزول إلى الشارع مع شعار رفع وصاية ايران وحلفائها من ميليشيات الحشد العشبي عن العراق، والمطالبة باسقاط حلفاء ايران الفاسدين. لقد أدت هذه الحركة الشعبية إلى تشكيل حكومة مصطفى الكاظمي، وأعطتها الدعم والقوة لاطلاق مسيرة الاصلاح واعادة العراق إلى الحضن العربي، من خلال بوابتي السعودية ومصر، وبحضور اردني، كما ادت الحركة الشعبية هذه إلى تكوين رأي عام واسع داعم لها، افضى في الانتخابات الاخيرة إلى اسقاط معظم مرشحي الاحزاب والميليشيات الموالية لايران. ولا يبدو ان محاولة اغتيال الكاظمي ستكون ذات اثر على المسار السيادي العراقي.

ان خطورة الازمة الداخلية وانعكاساتها على مصالح لبنان العربية والدولية تفترض ان تتلاقى القوى السيادية كأحزاب وكمجتمع مدني على تحرك شعبي عام يؤمن اجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها،كما يؤمن التصويت اللازم لقلب المعادلة السياسية الراهنة، وبالتالي التهيئة لتشكيل حكومة اصلاحية غير خاضعة لهيمنة حزب الله.

سيؤدي اعتماد المقاربة العراقية لتحرير لبنان من وصاية حزب الله إلى تصحيح الخلل الحاصل في علاقات لبنان الخليجية والدولية، كما سيؤمن عودة ازدهار لبنان كمركز ثقافي وسياحي للعرب والعالم، وعلى غرار ما كان عليه في ستينيات القرن الماضي.
تابع الرئيس على
© 2021 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة