09 نيسان 2026
التحايا والتقدير إلى الرئيس ميشال سليمان

احمد عدنان

إن الأمم لا تقيس عظمة قادتها في لحظة السلطة، بل في لحظة مغادرتها. فحين يترجل الرؤساء عن مواقعهم، تبدأ الحقيقة في الانكشاف، ويبدأ التاريخ في كتابة حكمه الصامت العادل. هناك من يترك أثرًا طيبًا فيُستدعى له الاحترام والتقدير، وهناك من يترك أثرًا مثقلاً بالخذلان فيُطوى في صفحات النسيان، أو يُستدعى للهجاء. وفي هذا الميزان الدقيق، يقف ميشال سليمان في موقعٍ لم ينل فيه ما يستحقه من إنصاف في زمنه، لكن لا شك أن التاريخ، وهو أعدل القضاة، سيمنحه قدرًا كبيرًا من التقدير والعرفان.

إن الحقيقة التي لا يجوز أن تُغفل، أن البوادر الأولى لهذه التجربة الرئاسية لم تبدأ في قصر بعبدا، بل سبقتها في قيادة الجيش اللبناني. ففي لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، انحاز سليمان إلى نبض الشعب في ثورة الأرز، متجاوزًا ضغوط الوصاية السورية ومنظومة الحكم الأمني، في موقف لم يكن سهلًا ولا مأمون العواقب. ثم جاء الاختبار الثاني، حين قررت حكومة فؤاد السنيورة مواجهة إرهاب تنظيم فتح الإسلام في مخيم نهر البارد، في وقت أعلن فيه حسن نصر الله أن “النهر البارد خط أحمر”. هنا، لم يتردد سليمان، ولم يساوم، بل انحاز إلى الدستور والقانون، ونفذ قرار الحكومة، مثبتًا أن الشرعية لا تُجزّأ، وأن هيبة الدولة لا تقبل أنصاف الحلول.

لقد وصل ميشال سليمان إلى رئاسة الجمهورية في زمن كانت فيه هذه الرئاسة قد فقدت الكثير من هيبتها. لكنه لم يكتفِ بمحاولة استعادتها، بل أعاد تعريفها. أثبت أن قوة رئاسة الجمهورية لا تكمن في تجاوز الدستور، بل في الالتزام به، لا في تفريغه من مضمونه، بل في صون روحه. وهنا، سقطت مقولة أن اتفاق الطائف قد أضعف موقع الرئاسة الأولى، إذ برهن سليمان أن النص الدستوري، حين يُحترم، يصبح مصدر قوة لا مصدر ضعف.

ثم إن الرجل، في سلوكه الشخصي، قدّم نموذجًا نادرًا في الانضباط والنزاهة. فلم يُغرق الدولة في شبكات المحسوبيات، ولم يُوزّر من أسرته أو أصهاره رغم ما يمتلكونه من كفاءات، ولم يُسجل عليه تورط في ملفات فساد، بل إن كل محاولات النيل منه في هذا الباب سقطت أمام القضاء، وبقي سجله نظيفًا ناصعا كوجه القمر في ليلة البدر، ومن المهم الإشارة، أن عهده لم يشهد صراعا مع رئاسة الحكومة، وتلك حالة نادرة في التاريخ اللبناني.

أما في حصاد الرئاسة، فإن إعلان بعبدا يظل شاهدًا على رؤية متكاملة للدولة اللبنانية: الالتزام بالقرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 1701، ضبط الحدود اللبنانية–السورية، تحييد لبنان، التمسك باتفاق الطائف، دعم استقلال القضاء، وتعزيز دور الجيش والمؤسسات، وترسيخ ثقافة الاحتكام إلى القانون. تلك لم تكن مجرد عناوين نظرية، بل كانت خريطة طريق لو طُبقت، بدل أن تُحارب، لكان لبنان اليوم في حالٍ غير حاله. بل إن كثيرًا من هذه المبادئ ما يزال يشكل مطالب اللبنانيين الأحرار في الداخل، وأصدقاء لبنان في الخارج، لاستعادة الدولة وهويتها ومستقبلها.

وتبقى من أخطر المحطات في ذلك العهد، قضية المخطط الإرهابي الذي قاده المدان ميشال سماحة، والتي كادت أن تجرّ لبنان إلى أتون فتنة مدمرة. لقد كان كشف هذا المخطط، والقبض على مدبّره، وإحالته إلى القضاء، إنجازًا أمنيًا وسياسيًا كبيرًا، تحقق رغم سطوة السلاح الخارج عن الدولة، ورغم توحّش نظام بشار الأسد ومن يدور في فلكه.

وفي تلك اللحظة الفاصلة، لم يتردد الرئيس ميشال سليمان في تحمّل مسؤولياته، فمنح الغطاء السياسي الكامل للأجهزة الأمنية، بقيادة اللواء أشرف ريفي، والعميد الشهيد وسام الحسن، فكان ذلك الموقف صمام أمان أنقذ لبنان من جريمة نكراء، ومن فتنة كانت ستعصف بالبلاد والعباد.

غير أن مثل هذه المواقف لا تمر بلا ثمن. فقد دفع الرئيس سليمان كلفة هذا الخيار الوطني الصريح، فكان عرضة للاستهداف السياسي المنهجي، ولحملات الاغتيال المعنوي التي حاولت النيل من صورته ودوره. لكنه، في المقابل، انتصر لما هو أبقى من كل ذلك: انتصر للمصلحة العامة، ولسلامة الوطن، ولأمن الناس واستقرارهم.

وتلك ليست مجرد مواقف عابرة في سجل عهد، بل هي شواهد على شجاعة نادرة لرجلٍ اختار أن يقف في صف الدولة، حين كان الوقوف معها مكلفًا، بل وخطرًا.

ومن دلائل الشجاعة السياسية التي لا تُخطئها العين، أن الرئيس ميشال سليمان لم يكتفِ بالمواقف الصامتة أو التوازنات الرمادية، بل ذهب إلى جوهر الإشكالية، فسمّى الأشياء بأسمائها. فقد كان أول رئيس للجمهورية يصف ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” بأنها ثلاثية خشبية، في وقت كان هذا الشعار الذي يمنح الشرعية لسلاح ميليشيا “حزب الله” هو بوابة الوصول إلى السلطة ومفتاح توزيع غنائمها وضمانة البقاء في كنفها، ومن كان يقف في وجه هذا السلاح في ذلك الزمن كمن يحفر قبره بيده. وذهب سليمان إلى ابعد من ذلك، وكان أول رئيس يناقش “الاستراتيجية الدفاعية” في قصر بعبدا، ليكشف عدم جدية ميليشيا حزب الله في الانخراط في دستور الطائف ومشروع الدولة.

لقد كان عهد ميشال سليمان عهدًا وقورًا، صامدًا في وجه رياح عاتية من الضغوط والمؤامرات، امتدت من حسابات إقليمية معقدة إلى تأثيرات مباشرة من إيران وسوريا الأسد ومن والاهم. ومع ذلك، ظل الرجل رئيسًا لكل اللبنانيين، لا لطائفة ولا لمحور، مقدمًا انحيازه للوطن والمواطنين والدستور فوق كل اعتبار.

وإذا كان عهد فؤاد شهاب قد عُرف بأنه عهد بناء المؤسسات، فإن عهد ميشال سليمان يمكن أن يُقرأ بوصفه عهد حمايتها. ولعله، في زمن الانهيارات المتلاحقة، كان آخر الدروع التي حاولت أن تصون ما تبقى من هيكل الدولة.

إن الإنصاف في بعض القضايا لا يُطلب إلا من التاريخ. والتاريخ، حين يكتب، لا ينسى الرجال الذين وقفوا في وجه الانجراف، وتمسكوا بالدستور، وآمنوا بالدولة، حتى وإن خذلتهم السياسة في حينها.

تابع الرئيس على
© 2026 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة