22 أيار 2026
ميشال سليمان... رجل الدولة في زمن الانكسارات اللبنانية
اللواء
محمد الملاح

ميشال سليمان... رجل الدولة في زمن الانكسارات اللبنانية

وطنٌ اعتاد العيش على حافة الأزمات، حيث تتشابك السياسة بالتاريخ، وتتداخل الحسابات الداخلية بالتجاذبات الإقليمية، تمرّ أسماء كثيرة في الحياة العامة، لكن قلّة فقط تنجح في ترك أثرٍ يتجاوز حدود السلطة إلى مساحة الذاكرة الوطنية. ومن بين تلك الأسماء، يبرز الرئيس العماد ميشال سليمان بوصفه أحد رجال الدولة الذين ارتبط حضورهم بفكرة الوطن، لا بمنطق الغلبة، وبالحوار لا بثقافة التصادم.
تسلّم العماد سليمان رئاسة الجمهورية في واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخ لبنان الحديث، في مرحلةٍ كانت البلاد تتأرجح فيها بين الانفجار والاحتواء، وبين مشروع الدولة ومنطق الانقسامات الحادّة. كان المشهد اللبناني مثقلاً بالأزمات السياسية والانقسامات العمودية، فيما كانت المنطقة تدخل تحوّلات عاصفة أعادت رسم خرائط النفوذ والتوازنات. وفي قلب تلك العواصف، حاول الرئيس اللبناني أن يتمسّك بخيار الدولة، وأن يحافظ على الحد الأدنى من التوازن الوطني وسط بحرٍ من الاصطفافات المتناقضة.
 
لم تكن المهمة سهلة؛ أزمات سياسية متلاحقة، تحدّيات أمنية مفتوحة، قلق اقتصادي متصاعد، وانقسام داخلي بلغ مستويات غير مسبوقة. ومع ذلك، بقي العماد سليمان متمسّكاً بقناعة راسخة مفادها أنّ لبنان لا يُحكم بمنطق الكسر، ولا يستمر بمنطق الغلبة، بل بالحوار والشراكة واحترام المؤسسات الدستورية.
ومن هنا، تحوّل قصر بعبدا خلال عهده إلى مساحة جامعة للحوار الوطني، احتضنت محاولات متكررة لتقريب وجهات النظر بين القوى السياسية المتنازعة. لم تكن طاولات الحوار آنذاك مجرّد مشهد بروتوكولي، بل محاولة فعلية لحماية بلدٍ كان يقف باستمرار على شفير الانقسام. وفي زمن التصعيد والاصطفافات الحادة، بدا التمسّك بالحوار معركة وطنية قائمة بحد ذاتها.
 
وما ميّز تجربة الرئيس العماد ميشال سليمان أيضاً أنها لم تنفصل عن البُعد الإنساني في إدارة الدولة. فقد حافظ على صورة الرئيس القريب من الناس، المتابع لتفاصيل الأزمات المعيشية والخدماتية، والمدرك لحجم المعاناة التي كانت تتراكم بصمت داخل المجتمع اللبناني. لم يتعامل مع موقع الرئاسة كمنصب بروتوكولي معزول، بل كمسؤولية وطنية يفترض أن تبقى فوق الانقسامات والاصطفافات.
ومع السنوات القاسية التي مرّت لاحقاً على لبنان، وما حملته من انهيارات مالية وسياسية ومؤسساتية غير مسبوقة، عاد كثير من اللبنانيين إلى استحضار تلك المرحلة بشيء من الحنين السياسي، أو ربما من باب المقارنة بين زمنٍ كانت فيه مؤسسات الدولة لا تزال تقاوم السقوط، وزمنٍ باتت فيه البلاد تواجه واحدة من أخطر أزماتها الوجودية.
 
التاريخ لا يطلق أحكامه سريعاً، لكنه يحتفظ دائماً بمواقف الرجال في اللحظات المفصلية. ومن هذا الباب، بقي اسم ميشال سليمان حاضراً في الوجدان اللبناني كرئيس حاول حماية فكرة الدولة وسط انهيار المعايير، وفتح أبواب الحوار في زمن الجدران العالية، وتمسّك بلبنان الوطن لا لبنان الساحات المتصارعة.
لقد شكّل العماد ميشال سليمان نموذجاً لرئيس آمن بأن الأوطان لا تُبنى بالصدام، بل بالتوازن، ولا تُنقذ بالشعارات، بل بحكمة إدارة الأزمات والإيمان بالدولة ومؤسساتها. أما ما سُمّي يوماً بـ«مرحلة التوازن»، فلم يكن في جوهره سوى محاولة دقيقة لإدارة واقع لبناني هشّ، تحكمه تناقضات طائفية ومذهبية وتشابكات مصالح معقّدة، في دولةٍ لطالما عانت من هشاشة بنيتها السياسية والمؤسساتية.
ورغم كل العواصف، بقي الإيمان بلبنان حاضراً في خطابه ومقاربته؛ لبنان الذي يستحق، مهما اشتدّت أزماته، فرصةً جديدة للحياة. وهكذا، بقي ميشال سليمان حاضراً في الذاكرة السياسية اللبنانية بوصفه رجل الدولة في زمن الانكسارات اللبنانية، ورئيساً حاول أن يحافظ على الدولة حين حاولت أن تبقى.
تابع الرئيس على
© 2026 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة