09 كانون الأول 2015
وثيقة «لقاء الجمهورية» بين «الممكن» و«المستحيل»؟!
يحيى جابر

بعد نحو سنة ونصف السنة تقريباً على ترك سدة الرئاسة الأولى، وبعد جهد ومتابعة لأشهر عديدة، أطلق الرئيس (العماد) ميشال سليمان - من قصر المؤتمرات في الضبية الاحد الماضي - «الوثيقة الوطنية للقاء الجمهورية».

لم تأخذ الوثيقة حقها في المتابعة، سلباً او ايجاباً.. والذين حضروا من القيادات السياسية والفاعليات الحزبية والسياسية ذات الاتجاهات المتعددة والمتنوعة قاموا بواجب تلبية الدعوة التي وجهت اليهم.. أما الذين غابوا، ولم يحضروا او لم توجه اليهم الدعوة عن سابق اصرار وتصميم، فقد قطع الرئيس سليمان «شعرة معاوية» معهم في آخر أيامه وهو في القصر الجمهوري، ليعلن خياراته السياسية المستقبلية باستدارة كاملة عن السنوات الاولى التي طبعت عهده.

«الوثيقة» على ما بات معروفاً جرى العمل عليها منذ أشهر، وقد حظيت بجهد لافت من أجل ان تخرج الى النور، وتحمل جديداً مفترضاً.. ومع ذلك، فمن غير الممكن النظر الى هذه الوثيقة، كما الى «لقاء الجمهورية» على أنهما اضافات نوعية في الحياة السياسية اللبنانية.. خصوصاً وان الرئيس سليمان، وعلى مدى سنوات وجوده في القصر الجمهوري، رئيساً بـ«التوافق» وواكب الكثير من التطورات، توفرت لديه مادة دسمة كافية ليضع يده على نقاط الضعف، كما نقاط القوة في «بناء الدولة» الذي يتعرض الى المزيد من التفكك.

يسأل كثيرون - وقد شدد الرئيس سليمان في كلمته، أمام الرأي العام، على أهمية وضرورة تحصين «الطائف» والتمسك بـ«اعلان بعبدا» الذي بات لازمة ترافق كل كلمة وكل موقف وكل رأي - ماذا فعل الرئيس وهو في موقعه في الرئاسة الأولى، من أجل سد الثغرات التي يتحدث عنها.. وما هي الأسباب والدوافع والعقبات الحقيقية التي واجهته، ان كان هناك من عقبات؟ من أجل تطبيق اتفاق الطائف كاملاً غير منقوص؟! لاسيما وان العناصر والبنود الاصلاحية الحقيقية منه، بقيت حبراً على ورق وقد تراكم غبار النسيان والاهمال فوقها؟!

ليس من شك في ان لـ«الطائف» ايجابياته في وقف «الحرب الداخلية - الأهلية» في لبنان، وقد وضع فيها اللبنانيون ما لا يقدر من خسائر في الارواح والممتلكات والتهجير القسري.. وفي المقابل، فإن لـ«الطائف» سلبياته البالغة الخطورة، التي احتضنها «امراء الحرب» في لبنان وتقدمت على سائر ما عداها، خصوصاً تلك التي انتقلت بالكيان من «ثنائية» طائفية، مسيحية - اسلامية الى ثلاثية مسيحية - سنية - شيعية؟. وكذلك بالنسبة الى قانون الانتخابات النيابية الذي رسم طريق الخلاص من الطائفية الى «الوطنية» عبر النسبية ودوائر المحافظات الموسعة والمختلطة، فلا يبقى اللبنانيون رهينة السجون الطائفية والمذهبية بالاكراه فلا يكادون يخلصون من أزمة حتى يقعوا في أزمة أكثر حدة وأكثر خطورة؟! أما الطوائف فلها مجلسها الخاص بالمناصفة عبر «مجلس الشيوخ..»؟ وكل ذلك لم يحصل، والمستفيدون من «الطائف» المنتقص يتمسكون به، كما هو.. من دون أي خطوة لتنفيذ باقي بنوده؟! فماذا فعل الرئيس سليمان طوال مدة وجوده في سدة الرئاسة الأولى من أجل اكمال هذه الاصلاحات؟!

قد يكون الجواب هو في ان الرئيس بات من دون صلاحيات.. لكن هذا لم يكن كافيا لاقناع اللبنانيين، خصوصاً وان الرئيس سليمان خطي في السنتين الأخيرتين من ولايته بحضانة دولية - عربية، فاعلة ومؤثرة وبالغة الأهمية.. وقد كان في متناول يديه العديد من الاجراءات والمواقف وأوراق القوة؟!

ليس من شك في ان الرئيس سليمان يدرك تماماً أين هي مكامن الضعف والخلل، ومن هم أصحاب المصلحة في اعاقة او رفض أي عملية اصلاحية يحتاجها لبنان واللبنانيون، وقد عدد الكثير منها.. لكن ما لا بد من الاشارة اليه، هو ان تركيز الجهد والتعبئة الداخلية والخارجية على «اعلان بعبدا» لا يشكل حصانة ولا حضانة كافية للوفاق الوطني المطلوب، خصوصاً في هذه المرحلة التي يعيشها لبنان والمحيط العربي والاقليمي من حوله.

فالدعوة الى «تحييد» لبنان و«النأي» به عن الصراعات الجارية في المحيط، غير كافية، وقد تقارب حد المستحيل، من دون حلول سياسة حقيقية لأزمات المنطقة كما وبالنظر الى التداخل الجغرافي والبشري.. على ما كان قال وزير الداخلية نهاد المشنوق.. فـ«اعلان بعبدا» الذي دفن لحظة ولادته، بدل ان يكون عامل خلاص بات عامل فرقة وانقسام مع قوى سياسية عديدة.. وان حظي ببعض التأييد الخارجي.. خصوصاً أكثر ان لبنان يعاني منذ أكثر من سنة ونصف السنة من شغور في سدة الرئاسة الاولى، يصعب معه توقع أي انفراج قريب في ضوء المعطيات المتوافرة، والرئيس سليمان، الذي ناشد النواب النزول الى مجلس النواب لانتخاب الرئيس، يعرف تمام المعرفة، ان قراراً، بمستوى انتخاب رئيس ليس في يد الافرقاء اللبنانيين الذين تخلوا طواعية وكرها عن ذلك وسلموه الى قيادات المحاور الخارجية، التي بات في يدها مصير لبنان كياناً ودولة، بل وشعباً؟!

لم تخل الوثيقة من ايجابيات عديدة.. ومن أبرزها الدعوة الى اقرار قانون انتخابات يعتمد النسبية، ويحافظ على «المناصفة» (بين المسلمين والمسيحيين) وصيغة العيش المشترك.. لكن السؤال، كيف ومن سيتولى ذلك ومن سيدعم الرئيس سليمان في هذا الخيار، وهو يعرف ان أحد أبرز العقبات أمام انتخاب رئيس تتمثل بقانون الانتخابات حيث يذهب البعض الى خيار لبنان دائرة انتخابية واحدة على قاعدة النسبية وآخرون الى المناصفة بين النسبية والعددية، على قاعدة الدوائر الموسعة، وثالثون الى التمسك بقانون الستين المشكو منه.. ولا بصيص أمل.. حيث بات البعض يجاهر بالدعوة الى ان ينتخب السنّة النواب السنّة، والشيعة النواب الشيعة، والموارنة النواب الموارنة وكذلك سائر الطوائف.. والأرمن النواب الأرمن.. وما الى ذلك، فأي اصلاح؟ وأية جمهورية؟!
تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة