23 كانون الأول 2015
إحياء السياسة.. إحياء الكيانية.. إحياء الرئاسة
وسام سعادة

التخبّط في الخيارات والأولويات، التحيّر بين الانتظار غير المشفوع إلا بمجهول الانتظار وبين الإقدام غير المضمون إلا بتفاضل الحيوية على الركود، كل هذا يطبع السياسة، أو نضوب السياسة، في نهاية عام ميلادي جديد، وبانتظار إقبال آخر. من جهة، يبدو وكأننا في هذا البلد «لم نعد متفقين» على شيء، بما في ذلك «اننا غير متفقين على شيء»، ومن جهة، يبدو أن هناك ما يكفي من ممانعات من جهات عدة لمنع تسرّب الروح السياسية من جديد: بما تعنيه من عدم تحبيذ الاصطدام بالجدران المقفلة، وإعطاء هامش من الحركة لكل من يريد ان يقوم بجهد لتجاوز التعطيل، والتفريغ، والاجترار الذي بلا طائل للمواقف. 

في مكان ما، هناك شغل لا بد من القيام به ويتصل بإعادة إحياء مفهوم السياسة في هذا البلد. هناك كمية من «السماجة المبدئية» تمنع السياسة، وتحكم من ثم ببقاء السياسة بلا معايير، تتخبط هنا وهناك، باسم «المبادئ العليا» إنما في لعبة اجترارية، تتسبب بالتوتير في مقابل التوتير، ثم بعزوف الناس عن السياسة، اما عن يأس واما عن عدم مبالاة.

السياسة، واعادة الاعتبار لها هي المهمة الاولى في مطلع العام الميلادي الجديد. وهي تعني بالدرجة الاولى انه لا بد من الانتقال من «المبادئ المتعالية الجامدة» الى معايير ملموسة، معايير أهمها انّ الفراغ ليس ما يبرّره، وان الاصلاح لا يكون بهدم الهيكل على من فيه، وان حماية المجتمع اللبناني من تمدد الاحتراق الاقليمي اليه اساسي، وان الكراهية لا يمكن ان تكون الا حارقة سياسياً لمن يروج لها في بلد كلبنان، وانه لا بد من مصفوفة تسويات بشرط ان تكون هذه التسويات قادرة على ان تجد صكاً دستورياً يسوغها ويمنحها مناعة، وحيوية، وقابلية للعيش. 

بالتوازي، احياء السياسة بات مسألة مرتبطة عضوياً بتمكين الوطنية اللبنانية مجدداً، بما في ذلك الاقرار بأنه جرى التضحية فوق اللازم باعتبارات الوطنية اللبنانية من قبل الموقف الذي غالى في تقدير إيجابيات الربيع العربي. الوطنية اللبنانية هي ما ينبغي دعوة الخصم السياسي للمساهمة، كل من منظاره، في اعادة تركيبه، وإعادة تشغيله. 

إحياء السياسة، إحياء الوطنية اللبنانية: دعوتان تبقيان مجردتين إن لم تكتسبا مضموناً يهمه إنتاج تصور اولي لحل الازمة الداخلية، وحلها يكون بترجمة هذين الاحياءين في كل بادرة لحل الموضوع الرئاسي، وللاتفاق على قانون انتخابات. في الحالتين، لا يمكن لاحد ان يملي ما يريده هو، وهو لوحده. في الحالتين، لا يمكن المكابرة على ان الشروط الاقليمية والخارجية ليست طيعة لانتاج الوفاق الداخلي، لكن التحدي هو في تليينها بضغط الداخل او بانفعال الداخل، او قسم منه، بشكل متوتر، لأجل جعل التوافق متعذراً، او مؤجلاً، او بكلفة اعلى من كلفة عدم التوافق.

عام ونصف العام على الشغور... وغداً عامان. العام الجديد يعني بالدرجة الاولى عندما نستقبله بالشغور انه استفحل بشكل لم يعد من الممكن مواصلة نفس البلادة الذهنية والسياسية بازائه، ونفس الاطمئنان غير المضمون انه سيحل يوما ما، ونفس الاستسلام الى ان الامر خارج ارادة اللبنانيين. 

طبعاً، لا يمكن تذليل العقبات خطابياً، لكن للخطاب السياسي أن يكون فاعلاً عندما يربط بين الاحياءات الثلاثة: إحياء مفهوم السياسة - العملية انما المرتكزة الى معايير، احياء الكيانية اللبنانية كمنظار محوري، وليس الارتماء في احضان «الربيع الاقليمي» خبط لصق، واحياء الملف الرئاسي كمسألة لا يمكن اعادة دفعها او دفنها بين الملفات.

تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة