27 كانون الأول 2015
إنه محمد شطح
جهاد أزعور          

في صباح يوم مشرق دوى انفجار كبير في وسط بيروت التنوع والانفتاح .رحل محمد شطح. سرقته يد الغدر والإجرام من قلب لبنان في عملية إغتيال بشعة وجبانة. سرقته في عز عطائه وتجليه وهو الذي كان يعمل من أجل إطلاق مبادرة حوارية لإعادة التواصل واخراج لبنان من دوامة الانقسام . وقد فاجأ إغتيال محمد جميع الذين عرفوه. كيف يُغتال رجل مسالم ومسامح، رجل منفتح ومحاور، رجل العقل والرويّة، رجل أعطى الكثير للبنان وحلم ببناء وطن حضاري؟ أسئلة تراودني منذ لحظة اغتياله لم أجد لها جواباً.

هل اغتيل محمد نتيجة لما قام به خلال مسيرته المهنية؟ عرفت محمد شطح منذ كان مسؤولاً في صندوق النقد الدولي، ومن ثم عملنا سوياً منذ منتصف العام وكانت حقبة من أصعب وادق المراحل التي مرّ بها لبنان. خلال هذه الحقبة خاض شطح معارك عديدة في مرحلة بناء وتكريس الإستقلال الثاني للبنان. وكانت له مساهمات عديدة، منها على الصعيد الاقتصادي وهو الذي شارك في إعداد وتحضير برنامج لبنان الإقتصادي ومؤتمر باريس الذي ساهم في إنقاذ الإقتصاد اللبناني بعد العدوان الإسرائيلي بالإضافة إلى مؤتمري ستوكهولم وفيينا لإعادة إعمار لبنان. وقد استكمل محمد هذه الإنجازات خلال عمله كوزير للمالية في العامين و . والإنجازات الأهم كانت على الصعيدين السياسي والدبلوماسي وهو الذي عمل إلى جانب الرئيسين فؤاد السنيورة ثم سعد الحريري على إدارة ملفات دقيقة ومعقدة، منها المفاوضات ألتي أنهت العدوان الإسرائيلي على لبنان مع صياغة ما عرف بالنقاط السبع والتي تحولت إلى قرار مجلس الأمن ، والذي أفضى إلى إرسال الجيش اللبناني لحماية الحدود اللبنانية .

هل كان إغتيال محمد شطح استهدافاً لمبادئه وافكاره؟ لطالما كنت معجباً بانفتاح محمد وحداثته وعمقه الفكري . لبناني الانتماء، مؤمن بالانفتاح على الآخر في المواطنة، منسجم مع مبادئه وأفكاره من دون فرضها على الآخر. كان محمد عصرياً في تفكيره وغير تقليدي في مقاربته للأمور. منفتحاً على جميع الأفكار والآراء، يستمتع في الحوار العقلاني والمنطقي من دون أفكار مسبقة أو الحاجة إلى فرضها على الآخر. كان النقاش معه ممتعاً ومفيداً، غنياً في الأفكار وسلساً في المقاربة، عميقاً في المضمون إلى حد المقاربة الفلسفية للمواضيع. لم أكن اتصور أن في ذلك خطورة أو تحدياً لأحد أو ذريعة للاغتيال.

نعم كان محمد شطح رجل مبادئ وطنية صافية، لا يساوم عليها ولا يفرط بها. إن كل من عرف شطح وعمل معه أو حاوره يجمع على صلابة مبادئه وان كان مرناً في التعاطي، فهو يوقن التناقضات التي يعيشها لبنان لكنه لا يساوم على المبادئ بهجة الوصول إلى تسوية. لا يخاف محمد العمل على نسج جسور التواصل والانفتاح على الآخر لكنه يبقى واضحاً في مقاربته ومبادئه. هل يعقل أن يُغتال إنسان من هذا المعدن ويتمتع بهذه الصفات؟ هل من المقبول أن نبقى عاجزين عن حماية الأحرار في لبنان وغير آبهين عن معرفة قتلتهم ومعاقبتهم للحفاظ على الوطن وحماية الديمقراطية؟ فل يكن ذكر محمد شطح مؤبداً ومسيرته منارة لأجيال طامحة إلى بناء وطن أفضل.

تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة