04 كانون الثاني 2016
التحييد الواقعي للداخل اللبناني: من اختبار إلى اختبار
وسام سعادة

تحييد لبنان فكرة عمرها من عمر التكوين الحديث للبنان. فكرة «لم تُطْعَم» نسقاً صلباً يترجمها، ويتولى صيانتها أولاً بأوّل، لكنها بقيت مع ذلك لا تكاد تختفي حتى ترجع، ولو تبدّل السياق، ولا تعدّلت شروط اللعبة. 

في العام المنقضي، استمرّ ضرب الحائط بمبدأ تحييد لبنان عن الحرب السورية، الذي أقرّ في «إعلان بعبدا»، وتواصلت حرب التدخل التي يشنّها «حزب الله« إلى جانب قوات النظام البعثي في سوريا، وبفاتورة نعوش لم تنقطع، تعبر الحدود التي لم يعد لها اعتبار كحدود، وللعام الثالث على التوالي على هذا المنوال، واستمر الشغور الرئاسي الذي هو «تكثيف» على مستوى المقام الأول في الدولة، للانشطار الحاد في الالتزامات الإقليمية للفرقاء اللبنانيين.

لكن هذا الاستنزاف الدامي والنقيض لفكرة «تحييد لبنان»، سواء اعتبرناه تحييداً له عن حرب أهلية مجاورة، أو عن صدام بين نظام وثورة، تعايش في الداخل اللبناني، مع «تحييد واقعي» له، بمعنى أنّ دائرة الاشتعال العراقية - السورية لم تتمدّد فعلياً إليه، إلا بشكل موضعي (محنة العسكريين المخطوفين على يد الجماعات المسلحة)، وبهجوم إرهابي دموي استهدف الأهالي في منطقة برج البراجنة أواخر العام. وعلى الرغم من تعاظم عدد اللاجئين السوريين في لبنان، وتمادي التدخل الحزب اللهي في سوريا، وتراكم طبقات «التدويل» للحرب السورية فوق بعضها البعض، بعد انطلاقة التدخّل الجوّي الروسي، إلا أن لبنان بقي «محروساً»، لا بل سُجِّل انخفاض معتبر في مستوى الاحتكام إلى السلاح أو التهديد به في الداخل اللبناني، وتحديداً حين انفجرت أزمة النفايات في الشارع، لم يظهر «حزب الله» كقوة ثورية بإزاء «النظام اللبناني»، إنما كقوة لها حصة فيه، يهمها «سحب عصبه»، لكنها تمانع الانقضاض عليه. 

جرى تحييد «الداخل» اللبناني «واقعياً» في العام الماضي إذاً، ولو أن أكبر جماعة مسلحة فيه غير محايدة أبداً في الحرب السورية، بل منخرطة فيه بشكل صار أخصامها يساورهم القلق من خروج الحزب مهزوماً من سوريا أكثر من أي سيناريو آخر، ويعتبرون أن «عودة» الحزب من سوريا إلى لبنان ينبغي أن تستبق أو تواكب بترتيبات دقيقة تحاشياً لأزمة هيكلية بين الطوائف أعنف من سابقاتها.

ومع اندلاع الحرب في اليمن، كانت العين مجدداً على تحييد لبنان، بسبب تجاذبات مرجعيات النفوذ الإقليمي المختلفة عليه، وبحكم نسيجه الأهلي والمذهبي، وتشابك هذا النسيج مع هذا المحور أو ذاك. بيد أن ما حصل بالنتيجة هو مفارقة ارتفاع حدة توتر في الخطاب المعني بالمسائل البعيدة عن النطاق اللبناني، في مقابل استمرار العمل الحكومي بإيقاع «معقول» في ظروف بهذه الهشاشة، وفي ظل الشغور الرئاسي، إلى أن تعثّر العمل الحكومي في مطلع الصيف، لكن من جهة «إشكالية ميشال عون»، ثم انوجد هذا العمل حيال مشكلة مستفحلة، النفايات، وحيال حركة احتجاجية في الشارع. 

وحتى عندما انشغلت الأوساط في الفترة الماضية، بموضوع «المبادرة الرئاسية»، أريد منها، بحسب المدافعين عنها، نوع متقن من تحييد لبنان عن دائرة الحرائق الإقليمية، فضلاً عن استئناف الإيقاع المؤسساتي، في حين خرج اعتراضان عليها، أحدهما يسائلها بالتحديد في قدرتها على بلوغ الهدف المنشود، وهو تحييد لبنان، فيما الاعتراض الثاني ليس معنياً أبداً بهذا التحييد. 

مفارقات «تحييد لبنان واقعياً»، على الصعيد الداخلي، ولو بشكل غير مكتمل، وغير مضمون، وعائم على أمواج من التوجّس والقلق، هي مفارقات ملأت العام الماضي بكامله. 

لكن يبدو أن العام الجديد، هذا، فرض مجدداً الاختبار، اختبار القدرة على تحييد لبنان حيال الموجة الجديدة من المحاور والتصادمات في المنطقة، والأهم من ذلك: اختبار السؤال عن كلفة الاستمرار في التحييد «الواقعي» للداخل اللبناني.

تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة