04 كانون الثاني 2016
التطورات الاقليمية الاخيرة... والاستحقاقات اللبنانية الضاغطة؟!
يحي جابر

ليس من شك في ان «التباين» الذي وصل الى مرتبة «الخلاف» بين المملكة العربية السعودية وايران، يشهد هذه الأيام مرحلة بالغة الدقة، بل والخطورة، على المستويين الذاتي، والاقليمي، بالنظر لما لهاتين  الدولتين من امتدادات وتأثيرات لا يمكن القفز من فوقها او تجاهلها.. وما آلت اليه التطورات في الأسابيع الأخيرة، وفي اليومين الماضيين تحديداً لا يؤشر الى امكان حصول تفاهمات - الحد الأدنى - وكثير من المراقبين باتوا على قناعة بأن «لحظة التسوية» لم يحن أوانها بعد، لا على المستوى الاقليمي، ولا على المستوى العربي - العربي، ولا على المستوى الداخلي اللبناني.. ما يعني في قراءة البعض «ان حال الصراعات والاضطرابات الأمنية والعسكرية، التي تحيط بلبنان، وما عادت تداعياتها بعيدة بالمطلق، ستستمر، على ما يظهر، لفترة غير محدودة من الزمن..» وذلك على الرغم من «المبادرات السياسية الباحثة عن تسويات في اليمن (حيث انهار اتفاق وقف النار) وفي سوريا، والعراق، وصولاً الى لبنان الذي يبدو أنه في حسابات القوى الدولية والاقليمية لا يبدو جاهزاً لتسوية سياسية بين القوى المعنية تخرجه من «الظلمات الى النور»، وتؤدي الى انتخاب رئيس للجمهورية، وفق «سلة متكاملة»، واعادة احياء عمل مؤسسات الدولة كافة، خصوصاً على مستوى مجلس النواب ومجلس الوزراء، اللذين دخلا في نفق التعطيل عن سابق اصرار وتصميم.. وذلك على رغم التحديات الأمنية الضاغطة، حيث يتولى الجيش والقوى الامنية المسؤولية بكفاءة ومسؤولية عاليتين..

لم يكن ما حصل في اليومين الماضيين عفواً.. والمنطقة على فوهة بركان، وليس من ضمانات كافية وافية بحلول سياسية، ولا بحصر هذه الخلافات ضمن حدود معينة.. فنقاط الخلاف بين الرياض وطهران ليست محصورة في بند واحد او بندين، او مساحة معينة، وإنما هي لائحة «طويلة عريضة»، وتداعياتها لا يمكن ضبطها ضمن حدود معينة، وقد تحررت ايران من «العقوبات الدولية» بعد «الاتفاق النووي» مع مجموعة الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، زائد المانيا.. ما اراحها أكثر من أي وقت سابق في تعزيز تدخلاتها في المحيط الاقليمي وتعزيز وضع «حلفائها» و«انصارها»..

ما حصل في السعودية قبل يومين، واعلان الرياض أول من أمس، اعدام 47 مداناً بقضايا الارهاب، بينهم مصري واحد، وتشادي واحد، على خلفية «اعتناق الفكر التكفيري وتنفيذ أعمال قتل وتفجير وتحريض على العنف والخطف واستهداف مقار الأجهزة الامنية والعسكرية أبرزهم «منظر» تنظيم «القاعدة» (السعودي) فارس آل شوبل الزهراني و«المحرض على قتل رجال الأمن» الشيخ نمر النمر، من القطيف السعودية، هو في المبدأ شأن محض داخلي يخص المملكة العربية السعودية، التي لها وحدها ان تقدر حجم المخاطر والتحديات والاضرار، وكيف السبيل لمواجهتها، وقد بلغت هذه المخاطر حداً يهدد أمن واستقرار وأمان المملكة، شأنها في هذا شأن أي دولة أخرى، أصيبت بلوثة «الارهاب التكفيري» الذي صار عنوان العصر.. وهو (أي الاجراء السعودي) نموذج يمكن ان تعتمده سائر دول المنطقة، التي تشهد هذا النوع من الارهاب والخروج على كل القيم الروحية والانسانية، والتي تشهد حروباً داخلية بالغة الخطورة، على الحاضر والمستقبل.. خصوصاً ان ما يسمى بـ«المجتمع الدولي» بات على قناعة بوجوب مواجهة هذا «الارهاب التكفيري» الذي لم يصر بعد الى التعريف به، وتحديده وتحديد القواعد لمواجهته..

تجليات الخلافات بين الدولتين، المحورين، الأبرز في المنطقة، (السعودية وايران) تتضح يوماً بعد يوم، وتتمظهر في سياقات بالغة التعقيد، عابرة لحدود الدول والمناطق والأديان.. لاسيما بعدما أخذت طهران على «مسؤوليتها» تعزيز الولاءات المذهبية على حساب الولاءات الوطنية.. وهو أمر رأت فيه قوى دولية محورية ذات قدرات فائقة مصلحة حيوية لها وتعمل على تعزيزه والدفع به باتجاه مواجهات مباشرة، سياسية وثقافية وأمنية واقتصادية وعسكرية.. وعلى خلفيات مذهبية - طائفية واتنية تمهد لاعادة رسم خريطة جديدة للمنطقة، بعد مرور مئة سنة على اتفاقية سايكس - بيكو (1916) بين فرنسا وبريطانيا التي قسمت «الهلال الخصيب» الى دول ومهّدت لـ«وعد بلفور» (1917) باقامة «دولة يهودية على ارض فلسطين بعد اقتلاع أهلها، اصحاب الارض الشرعيين من أراضيهم وتشتيتهم في سائر المحيط والعالم»؟!

السؤال يبقى، هل تبقي التطورات الأخيرة - ما قبلها وما بعدها، لبنان بعيداً عن مسار الازمة الاقليمية هذه، وقد تميز بحد مقبول من الأمن والاستقرار؟!

في قراءة كثيرين أنه يصعب على أي أحد ان يجزم بذلك، سلباً ام ايجاباً.. خصوصاً وان أحد أبرز القوى فيه (وتحديداً «حزب الله») بات في صلب الاستهدافات السياسية والأمنية، والتي تمثلت في الأسابيع القليلة الماضية، من أواخر العام المنصرم بجملة اجراءات من بينها وضع قيادات في الحزب على لائحة «الارهاب»، ووقف بث «المنار» على «عربسات» واغتيال «إسرائيل» أحد أبرز قياداته سمير القنطار.. ما يعزز لدى الكثيرين، القناعة بأن «الحزب» بات في موقع لا يسهل وضع «مبادرات التسوية الرئاسية «موضع التنفيذ العملي، خلافاً لرغبة الغالبية.. وهو بحجة الالتزام الادبي والأخلاقي مع حليفه (الجنرال السابق) النائب ميشال عون، يمضي في سياسة «التمهل والانتظار»، وقد تعزز هذا، بموقف السفير الايراني في لبنان محمد فتحعلي، بعد لقائه البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي واعلان «ان الجمهورية الاسلامية الايرانية تلتزم بتعهداتها في موضوع الانتخابات الرئاسية اللبنانية بأن لا تتدخل في الشؤون الداخلية السياسية اللبنانية، فهذا شأن داخلي لبناني..» والسؤال الأبرز، يبقى، لماذا لا تطبق ايران هذا على سائر المنطقة؟!

تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة