09 كانون الثاني 2016
الازمات الايرانية - العربية ليست وليدة اليوم... والرياض تحاذر المغامرات الكارثية
يحي جابر 
  
تأزم العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، بل و«المذهبية» بين المملكة العربية السعودية وايران ليست مسألة جديدة في العلاقات الايرانية - العربية عموماً..

في التاريخ الحديث والمعاصر، ومن قبل ما يسمى بـ«الثورة الاسلامية» قدمت ايران، في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، نفسها على أنها «شرطي الخليج»، ووضعت يدها بالقوة على الجزر الاماراتية الثلاث، بعدما كانت قد اقتطعت في مطلع القرن الماضي، الأهواز العراقية وضمتها اليها..

بعد «الثورة» في 11 شباط 1979، لم يتغير أي شيء.. رفعت القيادات الايرانية شعار «تصدير الثورة» فكان من تداعياتها الحرب الايرانية - العراقية (1980 - 1988) التي خرج منها العراق منتصراً، الى ان وقع في فخ احتلال الكويت في العام 1990، فكانت كارثة السيناريو البالغ التعقيد الذي أعد في غرف عمليات أميركية - إسرائيلية - أوروبية سود، فكان غزو العراق في العام 2003، واسقاط نظام صدام حسين الذي علق على المشنقة أمام الرأي العام العالمي عشية العيد، ولم ينبث أحد بكلمة واحدة، لتكون الكارثة التالية حل الجيش العراقي، الذي كان يعتبر سادس أقوى الجيوش التقليدية في العالم وثم تفكيك العراق الى كيانات مذهبية واتنية..

شعرت ايران ان الفرصة تاريخية.. وهي التي راكمت قدراتها العسكرية بغطاء أميركي، تعزز «بالاتفاق النووي» في تموز الماضي بين مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، والمانيا، بعدما كانت الولايات المتحدة سهلت لها العبور للقبض على الوضع السياسي في العراق..

«فائض القوة» الذي شعرت به «الجمهورية الاسلامية» وتعزيز الثقافات الدينية - المذهبية ومد قنوات الاتصال مع المحيط، عزز من الحضور الايراني في المنطقة، وصارت لاعباً محورياً نافذاً، ومؤثراً، لا يمكن تجاهله لاسيما بعد «الربيع العربي» الذي أصاب سوريا التي دخلت في «حرب كونية» غير مسبوقة منذ العام 2011 ولما تنتهِ بعد.. وبدا الصراع المحوري الايراني - السعودي - التركي، جلياً، وفي أكثر من مكان.. الى ان كانت التطورات الأخيرة التي أخذت من اعدام (رجل الدين) نمر باقر النمر، سبباً لاشعال المواقف في وجه الرياض، لم ينج منها لبنان خصوصاً بعد الاعتداء الذي تعرضت له السفارة والقنصلية السعوديتين في طهران ومشهد..

أخذت التطورات أبعاداً خطيرة للغاية.. فما جرى تجاوز حدود العلاقات بين الدولتين الأكثر حضوراً وتأثيراً في المحيط الاقليمي، الأمر الذي فتح باب التوقعات الى حدها الأقصى، من بينها «الحرب المسلحة».. ما دفع العديد من الدول الكبرى والقريبة الى توجيه الدعوات لضبط النفس والتهدئة، كما واعلان الاستعداد للتوسط بين الدولتين لايجاد حلول للقضايا العالقة بينهما، وكانت في أسباب تدهور العلاقات.. خصوصاً بعد قطع العلاقات الديبلوماسية، وايقاف كل حركة تجارية واقتصادية بين الدولتين..

المخاوف من تداعيات ما يجري، على المنطقة، حلّت في المرتبة الأولى، في هذه الاندفاعة الدولية لاستيعاب الازمة السعودية - الايرانية.. لكن على ما يظهر فإن مساحة عدم الثقة بين الدولتين لم تسقط نهج «التعقل» و«الحكمة» في معالجة الأمور، والعمل بأقصى ما يمكن لضبطها تحت السقف السياسي والاعلامي.. حيث سارع ولي ولي العهد الامير محمد بن سلمان الى القول: «ان اندلاع حرب بين السعودية وايران سيكون بداية كارثة كبيرة في المنطقة ولن نسمح بحدوث أي شيء من هذا..».

لم تمضِ ساعات على اعلان هذا الموقف العاقل الذي توقف عنده العديد من المتابعين، دولاً  وتنظيمات ومرجعيات وقيادات، حتى أطل وزير الخارجية عادل الجبير ليتمم الرسالة لافتاً الى ان بلاده لا تحتاج مساعدة.. «لسنا بحاجة لوساطة، نحن نعرف أين ايران وايران تعرف أين السعودية.. وهم (أي الايرانيون) يعرفون أسباب خلافنا معهم، وما عليهم القيام به لاثبات جديتهم والرغبة في علاقات طبيعية معنا، ونحن سنفعل الشيء نفسه..».

توقفت مصادر ديبلوماسية بارزة أمام هذا التطور غير المتوقع ورأت فيه «كلاماً مسؤولاً وتعبيراً عن استقلالية في القرار ورغبة حقيقية في حل المسائل العالقة بالطرق السياسية بعيداً عن لغة السلاح والحروب التي يكون فيها الرابح خاسراً والخاسر خاسراً..». وهي رأت «ان الكرة هي في ملعب ايران حيث تتضح ان بلبلة حقيقية تسود القيادات الايرانية موزعة بين عقلانية الرئيس حسن روحاني ودعوته الى معالجة الامور بطريقة مخالفة للآخرين..».

الأيام القليلة المقبلة، ستزيد من وضوح الصورة أكثر، ولبنان، على ما يظهر يعيش حال بلبلة وضياع غير مسبوقة، وهو على مسافة يومين من موعد جلسات هيئة الحوار الوطني و«الحوار الثنائي» بين «المستقبل» و«حزب الله»، الذي يعلق عليه عديدون أهمية استثنائية في هذه المرحلة.. لاسيما وأنه لم يعد خافيا على أحد ان جزءاً غير يسير من سوء العلاقات بين أبرز مكونين لبنانيين، مرده الى المحورية الاقليمية الموزعة بين الرياض وطهران.. ولبنان يشهد حالاً غير مسبوقة من الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية، وشللاً طاول مجلس النواب ومجلس الوزراء، لم تعد التداعيات محصورة ضمن أربعة جدران..

المسألة في قناعة متابعين ليست سهلة.. واعادة الحياة الى العلاقات بين الافرقاء المعنيين، ستكون ليس بداية مرحلة جديدة فحسب، بل وضع حد نهائي لكل الرهانات التي تصب في خانة القطيعة، التي من بين نتائجها، ليس اطالة أمد الشغور والشلل فحسب، بل فتح الأبواب أمام كل المخاطر.. على ما جرى التوافق عليه بين الرئيس نبيه بري ووزير الداخلية نهاد المشنوق الذي لايزال يؤكد ان «الحوار هو الوسيلة الوحيدة التي يجب دائماً ان نرجع اليها على رغم كل الظروف المحيطة بنا سواء داخل لبنان ام خارجه..» وهي مسؤولية تقع كما على «المستقبل» الذي سيقرر قبل الاثنين حضور الحوار او عدم الحضور، كذلك تقع على «حزب الله» الذي بات من الضرورة مراجعة مواقف العديد من قياداته لم تحظ ببركة حتى داخل الحزب نفسه..».

تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة