16 كانون الثاني 2016
عكس السير والمنطق: تأجيج حروب... الحل!
عادل مالك
عرض الرئيس باراك اوباما، قبل أيام، أمام الكونغرس بمجلسيه الرسالة الأخيرة عن «حال الاتحاد» باعتبار أن ولايته الثانية والأخيرة تنتهي مع نهاية العام الحالي 2016، ويغادر البيت الأبيض مطلع 2017. ونعرض لأبرز ما ورد في هذا الخطاب.

في موسم انتخابي، كان لا بد للرئيس اوباما أن يعمل على رفع معنويات الحزب الديموقراطي، فقال: «إن أميركا هي الأقوى عالمياً وستهزم الدولة الإسلامية «داعش»، ومرض السرطان كما غزت القمر في السابق». وفي المقابل، وجه الجمهوريون اعتراضات كثيرة حول شكل الخطاب ومضمونه، وقالوا انه «احتوى على الكثير من الغطرسة» كما هاجموا سياساته في التعامل مع «داعش». وشملت انتقادات الحزب الجمهوري دفاع أوباما عن التفاهم النووي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبلغ توصيف الجمهوريين سياسة الرئيس الأميركي حد القول أنها «كارثية».

وهذا حال الولايات المتحدة في كل موسم انتخابي، وكان المهم التركيز على سياسات واشنطن ومواقفها في شؤون الشرق الأوسط وشجونه، والتي اتصفت بالتردد والتخبيط في غير مكان وحيال أكثر من قضية، ومن ذلك سورية والمواقف التي اتصفت بالتذبذب خلال السنوات الخمس الأخيرة، وفيها كان بعض المعارضات السورية يعتمد كلياً على مواقف الإدارة الأميركية «الداعمة له بوجه الإجمال»، ليظهر التباين قبل ايام قليلة بين الجانبين، حيث شن المنسق العام للمعارضة رئيس الوزراء الأسبق رياض حجاب هجوماً عنيفاً على السياسة الأميركية متهماً إياها بالتخاذل والتراجع عن دعم المعارضة، بل كل المعارضات وما أكثرها.

وشن حجاب جام غضبه على سياسات واشنطن بُعيد لقائه الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند والذي يحرص على استقبال زواره أمام قصر الاليزيه خارقاً بذلك بروتوكولاً فرنسياً عريقاً حيث لا يُستقبل هناك إلا الرؤساء والملوك. لكن هولاند «الاشتراكي» يقوم بحملة علاقات عامة مع مختلف الأطراف المعذبة في الأرض وبخاصة المنطقة العربية.

وبالعودة إلى خطاب اوباما، فهو رأى أن عدم الاستقرار سيستمر في الشرق الأوسط حتى في حالة اختفاء «داعش»، مطالباً بالإفادة من درس الحروب في فيتنام والعراق وعدم إعادة بناء كل بلد يقع في أزمة.

ومع ذلك اعتبر اوباما أن استراتيجيته في سورية «النهج الأذكى». وهذا كلام على طريقة «مادح نفسه يقرئك السلام».

وتزامن إلقاء الخطاب مع نشوب أزمة احتجاز عدد من البحارة الأميركيين من جانب الحرس الثوري الإيراني. ونظراً للعلاقة الجيدة التي تربط واشنطن بطهران منذ الاتفاق على الملف النووي، اتصل وزير الخارجية جون كيري بوزير خارجية إيران محمد جواد ظريف وتشاورا في ضرورة الإفراج عن البحارة لأنهم دخلوا المياه الإقليمية الإيرانية بالخطأ. واحتاج الأمر إلى إجراء خمسة اتصالات هاتفية بينهما، ليتم الإعلان بعدئذٍ عن الإفراج عن البحارة وتفادي أزمة ليس الآن أوانها.

في هذا الوقت بالذات، ما الذي يحصل في المنطقة العربية؟ وما هي سمة المرحلة القائمة؟

ملامح ووجوه هذه المرحلة هي عكس السير والمنطق والتاريخ. لماذا؟ للأسباب التالية:
جرت العادة عند نشوب الخلافات والصراعات بين دول وأطراف المنطقة ان يُحتكم إلى الحلول السياسية والسلمية، حتى اذا فشلت اعتُمدت وسائل أخرى منها الحلول العسكرية. لكن الحقيقة عكس ذلك. ففي كافة نزاعات المنطقة توجه «القيمون عليها» إلى الحلول العسكرية المدمرة، وبعد عدة شهور، أو سنوات من القتال يتضح عدم جدوى هذه الحلول في حل النزاعات، فيجرى التحول إلى «الحلول السياسية» ولكن بعد خراب المعمورة!

وفي المنطق العام للحروب هناك رابح وخاسر، والرابح عادة يعرض شروطه على المهزوم، لكن في «الحروب المعاصرة» وبخاصة في المنطقة العربية، تختلف الأمور عن حروب الآخرين، حيث يتساوى أكثر من طرف في... الهزيمة. ولننظر إلى خارطة المنطقة من سورية إلى العراق إلى اليمن إلى ليبيا واللائحة تطول.

وفي نظرة متمهلة ومتعمقة يسجل بعض المراقبين الملاحظة التالية: يبدو أننا نخوض ما تمكن تسميته بــ «حرب الحلول»، مع ما ينطوي عليه هذا العنوان من تناقض وتعارض. لكن المعالجة الهادئة تفيد بأن فشل الحلول العسكرية أو ما اعتبر حلاً لبعض المشاكل زاد في تعقيد الأمور، وحصراً للأضرار والخسائر لم يبق أمام المتقاتلين إلا خوض «حروب الحلول»!

وهناك مقولة أكدت ماهيتها في أكثر من تجربة هي: إذا كنت تبحث عن السلام، عليك أن تكون مستعداً للحرب، لكن واننا في خضم الحروب المدمرة فما الذي يمكن أن يتلاءم مع هذه المرحلة؟

الأمر الذي نلاحظه في السعي لحل النزاعات المستعرة، هو إصرار بعض الاطراف على الحصول على نتائج كان يُرجى حصولها في الحروب، ولذا تبدو الحلول السياسية لبعض الحروب اكثر تعقيداً من حروب أخرى.

في سورية: أكثر من تطور حدث خلال الأيام القليلة الماضية من ابرزها إيصال المواد الغذائية إلى مضايا في ريف دمشق، والتوجه نفسه إلى بعض المناطق في ادلب ذات الصفة الطائفية المختلفة. وكان سبق ذلك تبادل الجرحى الذي أشرفت عليه الامم المتحدة والصليب الاحمر، وأُجلي الجرحى من المنطقتين ونُقل «فريق مضايا» عبر مطار بيروت على متن طائرات تركية، فيما كان عدد مماثل من سكان قرية كفريا وغيرها يتجه إلى تركيا، ومنها إلى لبنان.

ومن منظار الواقع، ألا يمكن أن نطلق على عملية التبادل أنها عملية منظمة وبإشراف اقليمي ودولي تمهيداً لفرز سكاني في بعض المحافظات السورية، تمهيداً لما ستكون عليه الحال لاحقاً بعد التوصل إلى حل؟

لكن ماذا عن مؤتمر «جنيف-3»؟ لا يبدو أن الطريق مفيد للسير عليه، لأن عقبات كثيرة تعترض عقده. فالنظام السوري يريد أن يعرف اسماء المكلفين بالتفاوض، والاهم: أن يعرف الاسماء المرشحة للمشاركة سواء من المدنيين أو «المقاتلين»، حيث يُعترض على بعض التنظيمات، ما قد يؤخر انعقاد جنيف -3 المقرر انعقاده في 25 كانون الثاني (يناير) الجاري.

وسقط النزاع ضحية «التسميات». فالولايات المتحدة تصر على مشاركة من تسميهم «المعارضة المعتدلة»، وترد موسكو: هل هناك «إرهابي معتدل وإرهابي مقاتل؟!». وقد يمـــكن إعداد اللوائح بالأطراف المدنية المشاركة و «تحديد المرحلة الانتقالية، لكن المشكلة قد تكون وستكون في الاتفاق على المقاتلين الذين تتعدد تسميات تنظيماتهم ليصبح مستحيلاً الإحاطة بها كلها على تعددها وتعدد ولاءاتها!

وسط هذه الأمور القائمة لا يمكن القفز فوق الأزمة التي انفجرت اخيراً بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهنا بعض الكلام الدقيق تداركاً للمزيد من التعقيدات والحساسيات ذات الطبيعة المذهبية والطائفية، وهذا الكلام يناشد كل الأطراف أن يبقى الخلاف عربياً – إيرانياً، وألا تنفلت الأزمة من عقالها لتتحول صراعاً سنياً – شيعياً، وهذا ما يجب تلافيه بكل الوسائل.

ثم ماذا عن الحرب الجديدة في «تركيا – اردوغان – اوغلو»؟

وبعد...
مع وصول هذا المقال إلى قراء «الحياة» يُفترض أن يكون الاتفاق الإيراني – الغربي – الأميركي قد انتقل إلى حيز التنفيذ كما تؤكد مصادر الطرفين. وهذه المرحلة تتطلب جهوداً مشتركة من مختلف الافرقاء لوضعه موضع التنفيذ، مع استمرار بعض الأطراف في التعبير عن شكوكها من امكانية عدم التزام إيران بالمضمون الحرفي له. لكن مضمون البنود التي استغرق إعدادها الكثير من الوقت أخذ بعين الاعتبار كافة التفاصيل، الا أن أزمات الثقة المتراكمة تجعل الحذر سيد الموقف. وبموجبها يجب ان تصدر عن الادارة الأميركية القرارات الداعية إلى رفع الحصار والعقوبات عن إيران، والبدء بإرسال الاموال العائدة اليها والمجمدة منذ سنوات الازمة الطويلة بين الجانبين.

وفي المقابل، ستشهد إيران كما هو مقرر وكما يتردد انفتاحاً على الخارج الذي هرول اليها لعقد الاتفاقات مع السلطات الإيرانية، وبخاصة بعد بدء تحويل بلايين الدولارات المستحقة لها من جانب وزارة الخزانة الأميركية والسلطات المالية الأخرى المسؤولة عن تجميد هذه الأموال.

وفي هذا المجال، تقول مصادر طهران أنها تطالب بالأضرار التي لحقت بها منذ الإطاحة بالدكتور محمد مصدق في 1953، وفي المقابل تطالب السلطات الأميركية بالتعويض عن 52 ديبلوماسياً أميركياً احتجزوا لمدة 444 يوماً بين 1979 و1981 بعيد اقتحام مبنى السفارة الأميركية في طهران، وكذلك تشمل لائحة المطالب الأميركية التعويض عن اعتداءات استهدفت بعض الأميركيين في بيروت عام 1982.

وفي ما يتعدى هذه المطالب، هناك فترة اختبار أساسية ستخضع لها إيران لاكتشاف مدى صدقية التزامها بمضون الاتفاق، وهذا يعني في حال نجاحه ولادة عصر جديد بين إيران والعالم الغربي في شكل عام من التعاون والتبادل بدل الحروب والنزاعات.

هل نحن أمام مرحلة سلام وسط هذه الصورة القاتمة؟
تصعب رؤية لوحة السلام وسط أزيز المدافع وضجيج القذائف، لكن يجب أن يعلم أصحاب الحروب أن الحرب تبقى مرحلة ولا يمكن أن تكون غاية تبغى. ألا يكفي المنطقة مدى ما عانته حتى كتابة هذه السطور، على الأقل من ويلات ودمار؟

تنتهي أزمات المشكلة عندما يتم التفاهم على بعض التعابير والمفردات، كالحرب والسلام... وأن الحروب تبقى الوسيلة ولا يمكن أن تكون الغاية الاخيرة. وإلا فعلى دول الشرق السلام.

ثم ماذا عن الحرب الجديدة: انخفاض أسعار النفط إلى درجة قياسية؟

وأما المفارقة فهي: كل العالم يُعلن انه يحارب «داعش» لكن لا يزال «داعش» يضرب في كل مكان.

تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة