19 كانون الثاني 2016
الاستخبارات الأميركية تبدأ مراجعة شاملة لاستراتيجية بوتين خلال السنوات العشر الأخيرة... الغرب يتهم روسيا بتمويل أحزاب أوروبية لتفكيك الاتحاد وإضعاف الناتو
لندن ـ مراد مراد

حذرت بريطانيا من ان الغرب يعيش فعلياً الآن حالة حرب باردة مع روسيا التي تبذل قصارى جهدها لتدمير الاتحاد الاوروبي، وإضعاف حلف شمال الأطلسي (ناتو) عبر اتباع استراتيجية «فرق تسد». 
وبعدما تزايدت الشبهات في تدخل روسي متعاظم في السياسة الداخلية لعدد من دول الاتحاد، قررت وكالات الاستخبارات الاميركية فتح تحقيق يشمل مراجعة كاملة للانشطة الروسية في اوروبا خلال السنوات العشر الاخيرة.

واكدت صحيفة «التلغراف» البريطانية في معلومات نقلتها حصرياً عن مصادر رفيعة المستوى في واشنطن ولندن، ان الكونغرس الاميركي طلب الى مدير الاستخبارات القومية الاميركية جايمس كلابر، اجراء مراجعة شاملة وتحقيقات تشمل السنوات العشر الماضية في سبيل الكشف عن اي تمويل روسي لأحزاب سياسية في اوروبا تم في الخفاء. 

ويشار إلى أن هذه المراجعة تؤكد مدى قلق واشنطن من تحركات موسكو الساعية لتفتيت الاتحاد الاوروبي، وإضعاف الناتو، وتعطيل مشروع نشر الدرع الصاروخية للحلف في وسط اوروبا، والغاء العقوبات الغربية المفروضة على الاقتصاد الروسي منذ ضم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شبه جزيرة القرم الى بلاده.

وحذر مسؤولون كبار في الحكومة البريطانية عبر «التلغراف» من ان الغرب حالياً في حالة حرب باردة مع روسيا في اوروبا، اذ تبين ان التدخل الروسي مستشر داخل الشارع السياسي في عدد من دول الاتحاد الاوروبي. 
وقال مصدر حكومي للصحيفة البريطانية: «إنها حقاً حرب باردة جديدة. فعلى كامل مساحة الاتحاد الاوروبي، هناك ادلة تنذر بالخطر من ان روسيا تبذل جهوداً لتفكيك نسيج الوحدة الاوروبية من خلال تركيزها على مواضيع استراتيجية عدة».

وكشف صحافيو «التلغراف» عن انهم اطلعوا على ملف استخباراتي غربي بعنوان «حركة النفوذ الروسي» يحتوي على تحديد أنشطة تقوم بها أدوات لبوتين، في كل من فرنسا وهولندا والنمسا وهنغاريا وتشيكيا التي يتخذها رجال الاستخبارات الروسية مدخلاً لهم الى داخل منطقة «شينغن» ليتنقلوا بعدها بين البلدان الاوروبية بكل حرية. 

وتسعى الاستخبارات الاميركية من الآن فصاعداً الى التدقيق في ما اذا كانت الاستخبارات الروسية تمول أحزاباً سياسية وجمعيات خيرية في دول اوروبية بغية تفتيت التلاحم السياسي الاوروبي، وإحداث انتفاضة شعبية أوروبية ضد برنامج الدفاع الصاروخي الاطلسي، والقضاء على اي محاولات غربية لإيجاد بديل عن الطاقة الروسية لأوروبا.

ورفض المسؤولون الاميركيون والبريطانيون الافصاح عن هوية الاحزاب السياسية التي سيستهدفها التحقيق، لكن يعتقد على نطاق واسع ان عمليات البحث والتحري ستشمل الاحزاب اليمينية القومية المتطرفة مثل حزب «يوبيك» في هنغاريا، وحزب «الفجر الذهبي» في اليونان، وحزب «الرابطة الشمالية» في ايطاليا، وحزب «الجبهة الوطنية» في فرنسا الذي حصل على قرض من بنك روسي عام 2014 قيمته 9 ملايين يورو. 

كما ستشمل التحقيقات تقارير ديبلوماسية غربية كانت اكدت حصول انشطة روسية مشبوهة في النمسا، خصوصاً بعدما قام نواب نمسويون بزيارة القرم مؤخراً في مسعى روسي واضح لدفع الحكومة النمسوية باتجاه الاعتراف بالضم الروسي للقرم. كما تبين أيضاً أن جواسيس روساً يتنقلون حول العالم بجوازات سفر نمسوية.

ويراقب الغربيون أيضاً عن كثب مسار استفتاء شعبي سيجري في هولندا في شهر نيسان المقبل، حول «تقليص العلاقة بين الاتحاد الاوروبي واوكرانيا»، اذ بدا واضحاً ان روسيا تمول بروباغندا ذات اوجه عدة للترويج لحملة «نعم» الخاصة بهذا الاستفتاء. 
وليس خافيا على احد الاهتمام الروسي الكبير بالسياسة الداخلية البريطانية، فموسكو تنتظر بفارغ الصبر الاستفتاء المستقبلي حول استمرار عضوية بريطانيا في الاتحاد الاوروبي، كما ان روسيا لم تبطن احتفالها بفوز جيريمي كوربن برئاسة حزب «العمال»، فالروس يأملون عبر الاستفتاء في خروج بريطانيا من اوروبا الموحدة، ويرون في كوربن الرجل الذي سيحقق لهم نقاطاً استراتيجية مهمة جداً في حال اصبح رئيس وزراء المملكة المتحدة، فهو سيسعى الى انهاء البرنامج النووي العسكري البريطاني وسيطالب بالخروج من الناتو. 

هذا واهتمت موسكو أيضاً بالاستفتاء الشعبي حول استقلال اسكتلندا، ونددت بنتيجة بقاء ذلك البلد جزءاً من المملكة المتحدة، فاعتبرت ان النتيجة مزورة، وان المسؤولين البريطانيين مارسوا الغش بحق الشعب الاسكتلندي.
كما تحوم الشبهات أيضاً حول حزب «استقلال المملكة المتحدة» الذي يتزعمه نايغل فاراج الذي كرر مرات عدة ثناءه واعجابه بسياسات بوتين وحسه القومي، لكن لا يوجد اي دليل مادي حتى الآن على وجود صلات مباشرة بين الحزب وروسيا.

ويجد الغرب نفسه أيضاً عرضة لحرب الكترونية شرسة تشنها روسيا ضده على الجبهات الاقتصادية والعسكرية والمالية والسياسية والاجتماعية. 
وقد تنبهت الحكومات الغربية مؤخراً الى الخطر الكبير الذي ستشكله الحرب الالكترونية الاجتماعية التي يقودها جنود بوتين الالكترونيون، اذ شهدت شبكة الانترنت في العامين الاخيرين تصاعداً غير مسبوق في عدد حسابات الكترونية ناطقة بلغات اجنبية (غير روسية) تروج لأجندة بوتين العالمية وتمدح تدخله السافر في اوكرانيا وسوريا وتعمل على اثارة الفتن العنصرية والدينية داخل المجتمعات الغربية. 

أما ميدان المعركة لجنود بوتين في العالم الافتراضي، فهو المساحات المخصصة للتعليقات على ابرز المواقع الالكترونية لوسائل الاعلام والصحف الغربية الكبرى، فعلى موقع اي صحيفة بريطانية او اميركية او فرنسية او المانية، يزدحم قسم التعليقات على كل خبر عسكري او سياسي بتعليقات لجنود بوتين المجهولين الذين يستترون تحت اسماء مستخدمين بريطانيين او اميركيين او فرنسيين او المان واحياناً عرب، فيكتبون جمل الاطراء والثناء على جميع مواقف روسيا وشجاعة بوتين واعتدال حلفائه كبشار الأسد، وعندما يكون الموضوع متعلقًا بالاسلام في اوروبا، او مشاكل السود في اميركا، تجد هؤلاء يتفوهون بأقبح العبارات، واكثرها عنصرية ضد المسلمين والسود، وبالعكس ضد البريطانيين والفرنسيين والاميركيين والالمان، بشكل يوحي لأي متصفح لموقع الصحيفة او الوسيلة الاعلامية، أن حربا أهلية قد تندلع في اي لحظة في اي من البلدان الغربية، ويجعله يشعر بالغضب، سواء اكان من اهل البلاد او من المهاجرين اليها، لأن لغة الكراهية تستخدم عمدا في الاتجاهين بهدف اثارة الفتن وتعزيز النعرات العنصرية والتطرف الديني. 

ويعتبر خبراء نفسيون ان هذا التكتيك الروسي يلعب دورا كبير في تأجيج مشاعر التطرف لدى المسلمين المقيمين في الغرب ويسهل على التنظيمات الارهابية مثل «داعش» تجنيد المزيد من الشباب المسلم المقيم في اوروبا واميركا. 
كما يسدي جنود روسيا الالكترونيون ايضاً بذلك، خدمات مجانية تدعم اجندة الاحزاب السياسية الموالية لبوتين في المناسبات الانتخابية في البلدان الاوروبية، وهي غالباً أحزاب قومية متطرفة.

تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة