01 آذار 2016
العسكريتاريا اللبنانية شاهد أم متهم؟!
غسان الامام
«لم نتدخل يومًا في السياسة. ولم نكن محسوبين على هذا الطرف أو ذاك. نحن ضمانة للجميع. وهذه المسؤولية لن نفرط بها...» هذا الدفاع المجيد عن الجيش اللبناني، ورد على لسان قائده العماد جان قهوجي قبل ثلاثة أعوام، رافضًا بصوت جهوري اتهام الجيش بالانحياز إلى «حزب الله». ولنظام بشار. وبتزويد الأخير بمعلومات أمنية ضد المعارضة. ومتهمًا الساسة اللبنانيين بالتدخل في شؤون المؤسسة العسكرية التي وصفها بأنها تعمل على «فرض سلطة الدولة».

الواقع أن الجيش اللبناني سجل نجاحًا في محطات زمنية متفرقة. فقد دعم «حزب الله» في حربه الحدودية مع إسرائيل (2006). واقتحم مخيم «نهر البارد» الفلسطيني في شمال لبنان (2007)، وأدب ميليشيا «فتح الإسلام» التي كان النظام السوري على علاقة مشبوهة معها. وكان غرضها تحويل الخلايا المتزمتة السنية في شمال لبنان، إلى ما يشبه كيان سبق ازدهار «داعش» التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا.

كما تمكن الجيش من فرض الأمن والاستقرار في طرابلس ثاني أكبر مدن لبنان. وتصفية «الدكاكين» المسلحة في الأحياء الشعبية، وعلى مفارق الطرق. والأهم وقف الاقتتال الدامي بين السنة والعلويين الساكنين في الروابي العالية المشرفة على المدينة.

لكن بقي الاتهام في الشارع الشعبي للجيش، بالانحياز إلى «حزب الله». والتعاطف مع نظام بشار الذي يرتكب المجازر ضد شعبه. والسكوت عن دور إيران الاستفزازي في لبنان الذي أدى إلى اشتداد التوتر بين السنة والشيعة. وتوريط الحزب في معارك غير متكافئة مع إسرائيل، أدت إحداها (2006) إلى مقتل 1200 شيعي لبناني. وإلحاق أضرار بالغة بالبنى التحتية. وإنزال خسائر بشرية بالجيش.

ووصل تعاطف العسكريتاريا اللبنانية مع «حزب الله» إلى مستوى الصمت عن توريط إيران للحزب في سورية. ومشاركة النظام في مجازره المدنية. بل قام الجيش بتأمين خطوط الحزب اللوجيستية وحمايتها. فسهّل على مقاتليه. وأسلحته. ومعداته عبور الحدود، الأمر الذي أدى إلى ردود فعل لدى المعارضة السورية المسلحة. فأقدمت على خطف عشرات الجنود ورجال الأمن اللبنانيين.

أعزو هذا الانحياز العسكري الصامت لـ«حزب الله». ونظام الأسد، إلى رفقة السلاح وألفة التعايش، بين كبار ضباط الجيش اللبناني الممسكين بقيادته حاليًا. وزملائهم الضباط السوريين، عندما أجبرهم حافظ الأسد على الانتساب إلى الكليات العسكرية السورية في الثمانينات والتسعينات. أو إجراء دورات تدريبية فيها. فغدا التعاطف والتعاون بين الفريقين عاملاً نفسيًا يحدو بالجيش اللبناني إلى السكوت عن تجاوزات «حزب الله» الأمنية والسياسية.

وهكذا، تبدو المؤسسة العسكرية اللبنانية، وكأنها الشاهد. أو المتهم، في نظر الشارع الشعبي اللبناني. فلم تحركها الأزمة مع السعودية إلى لجم هيمنة الحزب عسكريًا وأمنيًا على صيدا. وبيروت التي اجتاحها عمليًا (2008). وانتهاك سيادة دول عربية وإسلامية متعددة. بينها مصر. اليمن. السودان. وبعض دول الخليج. بالتجسس عليها. والتآمر على أمنها، لحساب إيران. وتشكيل وتدريب خلايا نائمة أو عاملة فيها.
أود هنا أن أتوقف عند الرئيس ميشال سليمان. فأقول إنه كان متزنًا وحكيمًا في ولايته الرئاسية. فقد صبر على كل ما فعله «حزب الله» من انتهاك لشرعية الدولة، على الرغم من أن الرئيس إميل لحود الذي كان محسوبًا على النظام السوري، هو الذي اختاره قائدًا للجيش (1998)، بموافقة حافظ وبشار عليه.

ويبدو أن هذا الرئيس العاقل لم يقنع ضباط مؤسسته العسكرية بعدم مسايرة «حزب الله». ولم ينجح في إقناع الحزب بالتنسيق مع الجيش، ضمن استراتيجية دفاعية موحدة. فآثر عدم التجديد لنفسه. وغادر القصر الجمهوري عندما انتهت ولايته (2014) في ذروة الأزمة مع سورية.

الرئيس سليمان، وليس العماد جان قهوجي، هو الذي يقول علنًا، وبصوت جهوري صريح إن «حزب الله مضر. ومؤذٍ للبنان». صمت العماد قهوجي (إلى الآن) ربما عائد لتقديره أنه هو أيضًا تولى منصبه بموافقة الحزب. وبشار. وائتلاف 14 آذار السني/ المسيحي، باستثناء سمير جعجع قائد «القوات اللبنانية»، لأن قهوجي قاتل «القوات» تحت قيادة العماد ميشال عون (1988 - 1989)، الأمر الذي أدى إلى مقتل 2500 مسيحي آنذاك.
لماذا يعارض ائتلاف 14 آذار انتخاب عون رئيسًا للجمهورية؟ ليس فقط لأنه حليف لـ«حزب الله». وإيران. وبشار، إنما لأسباب منها تقدمه في العمر (81 سنة). وهو في حالة صحية. ومزاجية متقلبة. وغير مضمون لدى حلفائه رئيسًا. بدليل أن الحزب يرشحه من دون أن يسميه! ويدعو كل من يريد مفاتحته في موضوع الرئاسة إلى مفاتحة عون مباشرة.

إشكالية عون تتبلور في «قرابته» العائلية. صهره جبران باسيل (54 سنة) الوزير المزمن منذ عام 2008 لم يتعلم كيف يميز بين مقتضيات منصبه الرسمي بالتزام الحياد التام. والتنسيق مع رئيس الحكومة تمام سلام. وموقعه إلى جانب عمه، كشمشون (عليّ وعلى أعدائي).
الأمر الذي يجعل «حزب الله» أكثر تحفظًا إزاء ترئيس عون، هو اتهام العميد المتقاعد فايز كرم صديقه الشخصي ومدير تياره السياسي، بعلاقة تجسسية مع إسرائيل التي يصر عون على أنه العدو الديدبان لها. وقيل إن فايز أصر على مرافقة عون في زيارته لحسن نصر الله في مخبأه.

هل السعودية مستعدة للعودة عن سحب الهبة المالية الكبيرة (3 مليارات دولار) لتسليح وتدريب الجيش اللبناني؟ البيان الصادر عن اجتماع مجلس الوزراء السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز (22 فبراير/ شباط الماضي) يقول إن المملكة لن تتخلى عن لبنان. والرئيس السابق ميشال سليمان يرجح عدول السعودية عن سحب الهبة.

السعودية اليوم تختلف عن السعودية أمس. هي أكثر حسمًا في سياساتها ومواقفها. فهي لا تدخل في صراع ذاتي مع إيران، للهيمنة على العالم العربي والإسلامي، كما يزعم الإعلام الغربي. إنما هي تجد نفسها في الموقع المتقدم للدفاع القومي، دينًا وعروبةً، عن الدول العربية التي تمكنت إيران من اختراقها (سورية. لبنان. اليمن. غزة).

فعل رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام كل ما في وسعه، لاستصدار بيان إجماع بتأييد موقف السعودية، وتلقى شكرًا وتنويهًا من مجلس الوزراء السعودي. لكن في ظروف الهجمة الشرسة من جماعة 8 آذار على السعودية، لم يعد جائزًا، في الاعتبار الخليجي، إطالة اللسان من بلد عربي على بلد عربي آخر، لحساب دولة أجنبية إقليمية معادية للعروبة والعرب. ولعل استمرار الأزمة يسمح بإيضاح كاف وأوسع لموقف السعودية، وما تنتظره من لبنان.

تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة