25 حزيران 2016
جنبلاط ضيف مائدة "حزب الله" في الضاحية ما هي الرسائل المتبادلة؟
ابراهيم بيرم

لم يكن حلول رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ضيفاً على مائدة افطار رمضاني لقيادات من "حزب الله" امراً بلا دلالات، إنْ لناحية مكانه او لجهة زمانه. فالواضح ان عملية "الممالحة" التي تكرست في امسية اليوم الاول من الاسبوع الجاري وفي احد مقار الحزب في الضاحية الجنوبية، انما تنطوي على رزمة ابعاد وربما اسرار يمكن البناء عليها من الان فصاعدا.

ففي مرحلة دوران الجميع في الحلقة المفرغة، وفي فترة غياب الحلول وفقدان القدرة على اجتراحها مشفوعة بنزف سياسي متعاظم يتعرض له عدد من القوى السياسية التي كانت حتى الامس القريب تأنس الى زعامتها الحصرية لشريحة وازنة، اشارة الى فقدانها حصانة الصمود لاجتياز مرحلة الفراغ القاتل وعلامة غموض المرحلة على المستويين الداخلي والاقليمي. كان جلوس النائب جنبلاط الى مائدة الحزب مع وريثه تيمور الذي اعطي قبل فترة اشارة ولوج معمودية الزعامة والاصطلاء ببعض لهيبها، امرا مثقلا بالدلالات رغم حرص الطرفين على ادراج المشهد في خانة الامر العادي والحيلولة دون الذهاب به الى مقام الحدث القابل للتأويل والتفسير.

ويكتسب كلام مصادر الطرفين عن ان العلاقة بينهما لم تنفصم عراها اصلا، لا بل ان وشائجها ظلت على درجة من التفاعل طوال الاعوام الخمسة المنصرمة، صدقية، لكن الثابت وفق المعطيات والتحليلات ان هذه العلاقة تأثرت الى حد كبير بالخطاب الذي اطلقه زعيم المختارة منذ اشتعال فتيل الازمة في الساحة السورية قبل نحو خمس سنوات.

بدا واضحا ان جنبلاط ذهب بعيدا في خطابه المعادي للنظام السوري والمؤيد لما سمّاه "الثورة السورية"، وان الحزب في المقابل استوعب مسألة ان يمضي جنبلاط بعيدا في هذا الخطاب لاسيما وقد انضم الى شريحة المقيمين على اعتقاد ان النظام آيل الى رحيل محتوم. لكنه (اي الحزب) اخذته الرعدة وتملكته الريبة لحظة تطوير زعيم التقدمي خطابه الى حدود الانتقاد المتكرر والحاد احيانا:
- لانزلاق الحزب الى الميدان السوري وذهابه الى موقع الدفاع الشرس عن النظام واعتباره الامر توريطا للبنان ودفاعا عن نظام يمارس فعل القمع لشعبه.
- سعي جنبلاط بشكل او بآخر الى تبييض صفحة "جبهة النصرة" وتشريع العلاقة معها باعتبارها "فصيلا ثوريا" وليس جزءا من دائرة الارهاب المرذول، بل ومحاولة فتح بعض المسارب والسبل في بعض المناطق لتسهيل عبور افراد ومجموعات من الجبهة الى مناطق اخرى، وهو ما جسّد ذروة الخوف والريبة لدى الحزب.
- على المستوى الداخلي، خطا جنبلاط خطوات عدة اثارت هواجس الحزب، ومنها تغطيته اداء الرئيس ميشال سليمان ودعم خطابه المعادي للحزب، فضلا عن انحيازه الدائم الى خطاب "تيار المستقبل".
- تحميل الحزب وايران المسؤولية عن الشغور الرئاسي وتداعيات هذا الشغور ونتائجه.
تلك بايجاز كانت السمة العامة للاداء الجنبلاطي خلال الاعوام الثلاثة الاولى من سداسية الاحداث في سوريا توجت بانخراط عملي، ولو من طبيعة محدودة، في تشجيع ودعم حالات تمرد على النظام في بعض المناطق السورية (السويداء). لكن الرياح المتأتية عن المختارة سارت في السنة الماضية بخلاف مسارات المرحلة السابقة خصوصا على المستوى الداخلي. فسيد المختارة بدأ يروج لفكرة تسمية العماد ميشال عون رئيسا يملأ الفراغ باعتبار ان الطريق الى خيارات مغايرة واحتمالات بديلة توصدها موازين قوى ومعادلات داخلية واقليمية.
الى ذلك، جدد جنبلاط دعوته الى الابتعاد عن رفع شعار نزع سلاح "حزب الله " لاعتبارين: ان الحاجة الى هذا السلاح لم تنتف بعد، ولان رفع هذا الشعار يفتقد الواقعية السياسية.
وفي الاونة الاخيرة كان لجنبلاط موقف متميز في شأن الخلاف الذي عصف بين الحزب من جهة، والمصارف وحاكمية مصرف لبنان من جهة اخرى، على خلفية الاجراءات المالية الاميركية لتجفيف منابع تمويل الحزب، اذ دعا الى معالجة هادئة تأخذ هواجس الحزب بالاعتبار وتسحب الموضوع من التداول الاعلامي.

وهكذا بين امكان العودة الى خطاب ما قبل ايار 2008 وهو امر مباح في ظل احتدام الهجمة السعودية -الخليجية - الاميركية على الحزب ونجاح عمليات وضعه على لوائح سوداء، وبين الذهاب الى انفتاح اكبر عليه والى ما يبدو صفحة جديدة مع اركان الحزب، اختار جنبلاط السير في الخيار الثاني اي الذهاب الى بيت من بيوت الحزب وفي عقر داره وفي اللحظة التي يبحث خصومه بدأب لسد منافذ الضوء والهواء عليه ومحاصرته الى درجة خنقه وعزله.

وابعد من ذلك يبقي جنبلاط، وفق تصريح احد رموز حزبه، الباب مشرعا للقاء وشيك مع السيد حسن نصرالله عندما تدعو الحاجة الى ذلك.

ويعرف كل من يراقب خط سير جنبلاط انه مفطور على التبدل والتحول، ومع ذلك فان تلبيته دعوة الحزب للافطار الى مائدته في هذه اللحظة امر يتسم بالجرأة وينطوي على تحد في هذه المرحلة حيث تتركز الجهود على اظهار الحزب معزولا.
واذا كانت هذه رؤية الحزب التقديرية لهذه الخطوة الجنبلاطية، فان السؤال المطروح هو: ما فحوى الرسالة التي اراد جنبلاط توجيهها من خلال ولوجه معقل الحزب ومكوثه فيه نحو ثلاث ساعات؟

انه وفق مراقبين مسعى يبذله جنبلاط ويتصل بمستقبل الوضع لاسيما بعد اختلاط الاوراق والتباس الصورة، ويتركز على الآتي:
- الوقوف على جلية ما يجول في عقل الحزب من تصورات وتوجهات، خصوصا ان سر الحزب عميق يصعب سبر غوره لمن هو بعيد عنه. واذا كان جنبلاط ، وسواه ، يعرف توجه الحزب اقليميا والثوابت لديه، فالاولى انه تجشم عناء الذهاب الى الضاحية لمعرفة توجهات الحزب في الشأن الداخلي، لاسيما ما يتصل بالموضوع الرئاسي وقانون الانتخاب واستكشاف ما اذا بالامكان ارساء صيغة تفاهم وتنسيق. وهذا يعني ان اللقاء بالنسبة الى سيد المختارة عملية جس نبض ليبني على الشيء مقتضاه.
- اراد جنبلاط ان يوصل مباشرة الى الحزب رسالة فحواها انه ليس في وارد ان يكون مصدر قلق او خوف للحزب، لا الان ولا في المستقبل المنظور.

وعليه فالسؤال المطروح استطرادا: هل بدأ التنسيق ام بعد؟ انه دخول الى المنطقة الوسطى التي قطعت مع مرحلة وبنت جسورا مع اخرى. وفي الاجمال يبدو جليا ان طرفي اللقاء يحتاجان الى صورته في هذه المرحلة كل من منطلق مختلف.

تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة