16 أيلول 2016
السياسيون بين الأمس واليوم
محمّد يوسف بيضون
في العام 1943، وكنت في الثانية عشر من عمري، جرت انتخابات نيابية عامة فاز بها عن بيروت جدي الحاج محمّد يوسف بيضون وأخوه رشيد عن الجنوب.
لقد كنت في صغري مسيساً اقرأ الصحف وأطالع المجلات وكان جدي يدعوني إليه لأتلو عليه ما في الصحف من أخبار.
كان لكل نائب في حينه حق ببطاقتين، إحداها للدخول إلى المجلس حين ينعقد والثانية لدور السينما مجاناً.
وهكذا تسنى لي ان اجلس في مقاعد شرفة المجلس أشرف على قاعته ومن يحضر فيها من النواب والوزراء. إستمر الأمر أربع سنوات حتى إذا ما انتهت الدورة عام 1947 وفاز عمي الرشيد بالنيابة للمرة الثالثة، اعطاني بطاقة الدخول إلى المجلس، فإستمريت على الحضور.
لقد مرّ امامي في المجلس حكومات عديدة ترأسها كبار منهم مع حفظ الألقاب رياض الصلح، عبد الحميد كرامي، سامي الصلح، صائب سلام، عبد الله اليافي، سعد المنلا، رشيد كرامي، وكانت الحكومات تضم شخصيات وطنية كبار لا تخلو حكومات من بعضهم كالأمير مجيد أرسلان وكمال جنبلاط.
كان في المجلس ما أسميه اخلاق سياسية. فمخاطبة رئيس المجلس للأعضاء كانت على سبيل المثال: الكلمة الآن لحضرة النائب فلان، فليتفضل.
كنت استمع إلى النواب وإلى المناقشات التي كانت تدور بينهم وبين الحكومة وأعترف ان لا مجال للمقارنة اليوم بين اللغة حينذاك واللغة اليوم. كل شيء كان يختلف، ثقافة الأعضاء، فهمهم للقضايا والمواضيع المعروضة للمناقشة، جمال الكلمة وأخيراً وليس آخراً المسؤولية عندهم والأخلاق السياسية أيضاً. فكلمة «ملعون» لم تكن في قاموس المجلس والنواب بل إحترام متبادل. ويؤسفني كشاهد، ان اقول اليوم ان المجالس النيابية بعد العام 1975 بدأت بالإنحدار ولا حاجة لشرح الأسباب، فهي معروفة عند أكثر النّاس.
الكلمة بالأمس، كانت تعبر مناخل في الفم قبل أن تخرج منه، أما اليوم فالكلمة قد غاب عنها طابع المسؤولية وأصبحت قريبة من لغة الشارع، أمر مؤسف للغاية، وأصبحت الأخلاق السياسية نادرة يتحلى بها البعض ولا يتوقف البعض الآخر عند حدودها. ترى، إلى أين سوف يحط بنا المطاف؟
في الحقيقة لا أدري، وأحمد الله أنه لا يزال في المجلس عدد غير قليل ممن يتحلون بالأخلاق السياسية.
بالأمس، كان عدد الفاسدين من النواب يعدّ بالأصابع. الآن تجاوز عددهم الخط الأحمر.
بالأمس، كان من ينتخب نائباً قد سبق له أن قضى في الخدمة العامة سنين على الأقل قبل أن يترشح. اليوم يهبط المرشح من السماء بالـ«براشوت». فعلاً لا أدري أين سوف يحط بنا المطاف.
بالأمس، لم يكن أحد ليهدد بتغيير النظام أو هدمه. اليوم، لم يعد مجهولاً من يتعرّض إليه وكأنه قادر هو على هزه وتعديله.
كفى استغباء النّاس. والحقيقة أنه ينطبق عليهم قول سيدنا الامام علي عليه السلام «إن أغبى النّاس من استغبى الناس». ألا فليعرف كل إنسان حدوده في الحياة، أكانت خاصة أم بالأخص عامة.
نحن اليوم مسؤولون جميعاً عن حاضر لبنان ومستقبله. ليكن كلامنا علمياً، هادئاً، مهذباً. لقد تعرّف النّاس اليوم على الوزيرة السيّدة أليس شبطيني، إنها المثل الحيّ للمسؤول الذي يتحلى بالأخلاق السياسية إلى جانب ثقافة متنوعة، سمعتها بالأمس على التلفاز وأُعجبت بها وأبلغتها إعجابي، كما أُعجبت بما يتمتع به رئيس الجمهورية الأخير العماد ميشال سليمان، لقد تسنى لي معرفته عن قرب وأصبحت نائبه في لقاء الجمهورية.
بعد أن أصبح العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية كان له لقاء مع المندوب الصحفي لجريدة السفير في القصر. قرأت ما دار من حوار بينهما كما نُشر في السفير. لم تعجبني في الحقيقة أجوبته، فما كان منّي إلا أن اتصلت بالقصر الجمهوري وطلبت مقابلته. ذهبت في الموعد المحدد وصارحته بعدم ارتياحي لأجوبته ورحت أعددها له. وحين انتهيت، إلتفت إليّ وقال: «معك حق»، فالمسؤول دائماً يتعلم من كيسه. أعجبني الجواب لأني وجدت فيه صدقه.
لقد قدّر لي الرئيس سليمان ما جئت لأقوله له وطلب مني ان اقابله مرّة في الشهر. لم أفعل وحين ذكرّته بذلك في لقاء الجمهورية قال لي ما هو السبب الذي دعاك إلى عدم زيارتي مجدداً. أجبته لم أجد ما يستحق أخذ وقتك الثمين في معالجة شؤون البلاد. اليوم زاد اعجابي به، بهدوئه وحكمته ومناقشته الأمور دائما بحس سليم ومنطق.
الطابع المميز الذي يسود هذا الزمن الرديء هو الفساد بالخط الأحمر. فقد انتشر في المجتمع ولا سيما في أوساط الإدارة وموظفيها ومستخدميها وفوقهم في أوساط المسؤولين دون استثناء. طبعاً هذا لا يعني الكل وإنما البعض والبعض مع الأسف كثير.
بالأمس، كان ردّ الفعل للفساد قوياً وكان صاحبه يتلقى ما يستحق من عمله. اما اليوم، فالفساد أصبح كما يقال بالعاميّة «مكشوف» ولا ترفّ لصاحبه أي عين. وإذا استمر الأمر على هذه الشاكلة أُودع معظم «الأوادم» في المستودعات أو ابعدوا عن مقاعدهم وذلك مع الأسف، لأن الفساد تحوّل إلى قضية طائفية كي لا يتجرأ أحد على التسمية.
لبنان، إني أخاف عليك، ليس على عدوّك القابع على حدود وطننا وإنما من أهلك في الداخل الذين اضاعوا مواطنيتهم واختاروا مكانها طوائفهم بل مذاهبهم.
عيب والله ان يصيبك يا لبنان هذا الوباء، فتغوص في وحله. إن خوفي نابع أيضاً من أنني لا أرى بصيص نور يخرج نقياً صافياً صادقاً من افواه معظم المسؤولين الممسكين بالقرار.
لا حيلة لي يا لبنان إلاّ ان أمضي على هذا النحو الى ان يفرجها المولى تعالى. وهنا أسأل نفسي لماذا نريده أن يفرجها وكل يوم ندفع إلى أسف ما يُرى وما لا يُرى.
عفوك يا الله، لا تجعلنا نترحم كل يوم على اليوم الذي سبقه، كأننا نعود بالساعة إلى الوراء. كل شيء في الطبيعة والحياة له نهاية. لن أختتم إلاّ بقولي مجدداً أفرجها علينا يا الله.

تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة