03 كانون الأول 2016
مؤتمر تحصين وثيقة الوفاق الوطني ومناقشة الثغرات الدستورية: وقائع اليوم الأول - ورشة العمل
  • convention workshops

نظم "لقاء الجمهورية" ورشة عمل دستورية بعنوان "تحصين وثيقة الوفاق الوطني ومناقشة الثغرات الدستورية" في فندق الحبتور - سن الفيل، في حضور رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ممثلا بالوزير ميشال فرعون، الرئيسين ميشال سليمان وأمين الجميل، رئيس مجلس الوزراء تمام سلام ممثلا بالوزير محمد المشنوق، رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري ممثلا بالرئيس فؤاد السنيورة، الرئيس نجيب ميقاتي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع سمير مقبل، الوزراء بطرس حرب وروني عريجي وأليس شبطيني وعبدالمطلب حناوي ورشيد درباس ورمزي جريج وسجعان قزي، النواب أنطوان زهرا وميشال موسى وروبير غانم وسمير الجسر، النائب السابق لرئيس مجلس الوزراء اللواء عصام أبو جمرة، الوزراء السابقين ناظم الخوري وسليم الصايغ وزياد بارود وابراهيم شمس الدين وابراهيم نجار وجوزيف الهاشم وبهيج طبارة، النائبين السابقين صلاح حنين وسليم دياب، بالاضافة إلى عدد كبير من المدراء العامين وأساتذة القانون والأكاديميين والإعلاميين.

بداية النشيد الوطني، ثم ألقى سليمان كلمة قال فيها: "أهداف لقاء الجمهورية تتركز على تعزيز أسس الجمهورية عن طريق تحصين وثيقة الوفاق الوطني وتطبيق الدستور وإعلان بعبدا للحؤول دون الحاجة الى مؤتمرات تأسيسية وقد اختصر شعار مؤتمر إعلان وثيقة اللقاء في 6 كانون الاول 2015 بالدولة فقط، من أجل تحصين وثيقة الوفاق الوطني التي تمثل للبنانيين العقد الإجتماعي، ونظرا للتعثر السياسي الذي طبع فترة ما بعد الانسحاب السوري وتجلت ذروته في الشغور الرئاسي والتمديد المتكرر للمجلس النيابي وشلل عمل مجلس الوزراء وتفكك الهرمية في بعض المؤسسات، كان لا بد من دراسة العوامل والاشكالات الدستورية التي أدت الى هذا الوضع".

أضاف: "لذلك عكفت لجنة من أعضاء اللقاء على دراسة الثغرات الدستورية مستندة إلى اقتراحات تعديل بعض مواد الدستور التي رفعتها لجنة شكلت في رئاسة الجمهورية خلال الولاية الرئاسية. كما استندت لجنة اللقاء الى الاشكالات التي حصلت والى الخبرة خلال فترة تطبيق الدستور دون وصاية خارجية وأشرت إلى بعضها في خطاب انتهاء ولايتي، والثغرات الدستورية التي ظهرت بعد انتهاء الولاية وابرزها وأخطرها عدم انتخاب رئيس الدولة. وبغية إغناء الاقتراحات بآراء متنوعة، يعقد اللقاء اليوم بتاريخ 03/12/2016 ورشة عمل مع سياسيين ومفكرين سياسيين ودستوريين وأكاديميين وبرلمانيين متمرسين ورجال قانون واقتصاد وفاعليات من المجتمع المدني لمناقشة التعديلات المطروحة على قاعدة تقاسم الواجبات والمسؤوليات بين السلطات الدستورية وليس تنازع الصلاحيات وضمن ثلاثة محاور محددة هي "الدستور ورئيس الدولة - انتخابه ودوره الوطني"، "الدستور والسلطة التشريعية - العلاقة والتوازن بين السلطات الدستورية"، "الدستور والسلطة التنفيذية - تشكيل الحكومة والمهل الدستورية".

وتابع: "يعقد المشاركون في كل محور ثلاث جلسات للمناقشة بالحد الاقصى قبل وبعد ظهر اليوم أما النتائج التي يتم التوصل اليها فسيتم اعلانها بشكل توصيات في لقاء يجمع فئات اوسع من المشاركين في ورشة العمل غدا الاحد بتاريخ 04/12/2016 كما سيتم تعميمها على السلطات والمراجع السياسية والقانونية كما على المواطنين عبر وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي ومن ثم متابعة تفعيلها وتحريكها مع المعنيين".

وختم: "الجلسة الافتتاحية التي يسرني ترؤسها ستكون بمثابة جلسة اطلاع على خبرة مسؤولين مارسوا السلطة قبل الطائف وبعده وأتمنى أن تجيب على تساؤلات عدة كهل تعتبرون أن اتفاق الطائف لا يزال حاجة وضرورة للاستقرار والتوازن الوطني والعيش المشترك؟ هل تعتبرون ان تطبيق اتفاق الطائف منذ عام 1990 وحتى اليوم، شابه خلل على صعيد التوازن الوطني وصيغة العيش المشترك في اطار قوانين الانتخابات والتمثيل النيابي وممارسة السلطات الدستورية لدورها في اطار مبدأ التوازن المنصوص عنه في مقدمة الدستور؟ هل تعتبرون ان الظروف السياسية الداخلية الاقليمية والدولية أوجدت أعرافا دستورية وأمرا واقعا أثر على حسن تطبيق الدستور؟ وما هي الوسائل التي تقترحونها للمعالجة؟ وهل تعتبرون ان الظروف السياسية الداخلية والحاجة الوطنية للاستقرار تحتم تحييد لبنان عن الصراعات الاقليمية؟"

الجميل

ثم ألقى الجميل كلمة قال فيها: "تحية مودة لفخامة الرئيس العماد ميشال سليمان على الجهود التي بذلها رئيسا، ويتابعها مواطنا وسياسيا ومرجعا، وتحية تقدير للقاء الجمهورية الذي يجهد من أجل الجمهورية وتطويرها. لا شك في أن لهذا اللقاء أهمية خاصة في مطلع العهد الجديد برئاسة العماد ميشال عون الذي ينظر اليه المواطن بأمل كبير. ولي كل الثقة في ان هذا المؤتمر سيخرج بإقتراحات تساهم في ورشة إعادة بناء المؤسسات من أجل انقاذ الوطن وتنشيط الحياة السياسية على كل الصعد".

اضاف: "موضوع لقائنا هو مراجعة بناءة لوثيقة الوفاق الوطني التي إتفق عليها في الطائف، باعتبارها المدخل للسلم الأهلي والوسيلة لوقف الإقتتال بين الأخوة، وتعزيز المشاركة في ممارسة السلطة. أما في واقع الحال، فيبقى السؤال: الى أي مدى أدى هذا الاتفاق غرضه، وحفظ سيادة البلد، وعجل في رفع الهيمنة والاحتلال عن لبنان؟
إن الجانب السيادي في الوثيقة جاء مفتقرا الى آلية فعالة بالنسبة الى انسحاب اسرائيل، وملتبسا ومبهما ويحمل الاجتهاد ونقيضه بالنسبة الى الوجود العسكري السوري. وهذا نوع من ادارة الازمة وترحيل الحل الى أجل غير مسمى.
لا شك في أن الطائف جاء نتيجة ظرف دقيق من تاريخ لبنان بعد مرحلة قاسية من الحرب اللبنانية -الفلسطينية، ثم الهيمنة السورية المتزامنة مع الاقتتال المسيحي- المسيحي الذي أنهك المقاومة اللبنانية، لا بل عطلها، وفرض مراجعة للنظام اللبناني على حساب ما ومن تمثل".

وتابع الجميل: "إن هذا الواقع أفضى من خلال التعديلات الدستورية التي اقترحتها وثيقة الطائف، الى إضعاف موقع رئاسة الجمهورية، وإعادة توزيع السلطة بإتجاه قيادة جماعية. إن هذا المفهوم، أي القيادة الجماعية، هو مفهوم خاطىء للحكم، وقرار غير بريء، لان تشتيت السلطة وتوزيع صلاحياتها وقيام رؤوس متعددة، من شأنه ان يبدد مفهوم السيادة ويضع القرار الوطني بيد سلطة الوصاية أو سلطات الهيمنة. ولا بد هنا من إبداء الملاحظات التالية المتصلة بالثغرات الدستورية التي تسببت بها وثيقة الوفاق الوطني، سواء جراء عدم تنفيذها نصا وروحا، او لخلل بنيوي في الاصلاحات إقترف عن قصد أو عن غير قصد.
اولا: في الشكل ان إقرار ما سمي باصلاحات الطائف الدستورية جاء على عجل وكأن في الامر تهريبة او تسللا. فسلة الاصلاحات والتعديلات الدستورية بهذا الحجم الكمي والنوعي، كانت تستدعي على الأقل مناقشة في الاساس، وفي جو من الاستقرار النفسي والوجداني والذهني، لتصويب ما إلتوى من مفاهيم تستهدف السيادة والنظام، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.

ثانيا: في السيادة
نصت وثيقة الوفاق الوطني وبعدها كل مؤتمرات القمة العربية على تحقيق الوفاق الوطني، وبسط سيادة الدولة اللبنانية كاملة على كافة التراب اللبناني، وبقواتها الذاتية خلال مدة أقصاها سنتان.
كل هذا بقي من دون تنفيذ، فاعادة تموضع القوات السورية لم تتم وفق الجدول الزمني والجغرافي المتفق عليه، والجميع يعلم ما عانى منه لبنان جراء الوجود السوري الذي استمر حتى العام 2005، وكان ثمنه استشهاد دولة الرئيس رفيق الحريري، وقبله وبعده عشرات الشهداء، وقد أدى حزب الكتائب قدره باستشهاد العزيزين بيار وانطوان. والأخطر أن كلفة الاحتلال كانت ترسيخ ثقافة الخنوع والخضوع والمحاصصة والفساد المبرمج الذي أضحى من مكونات نظام الحكم، وانتهاك مبدأ فصل السلطات.
ولم ينفذ بند حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، واستمرت المربعات والجزر الامنية. وهذا إنتهاك موصوف لمفهوم السيادة الدستوري.

ثالثا: في السلطة السياسية
جعل إتفاق الطائف من رئاسة الجمهورية نظريا مرجعية سامية ومقاما دستوريا ورمزا لوحدة الوطن، في وقت جرد رئيس الجمهورية من الصلاحيات التي تمكنه من تحقيق مستلزمات القسم.
ونلفت الى المسائل التالية: إن هرطقة تعيين النواب وبعدها قوانين الانتخابات المتعاقبة منذ العام 1992 حتى اليوم، رسمت دوائرها المتفاوتة على القياس، وخطفت صوت المواطن الحر وكرست منطق المحادل، ما أدى الى تعطيل كل أنواع الرقابة النيابية. إن كل ذلك يؤكد تجاوز الدستور وإصابة النظام الديمقراطي إصابات بالغة.
ولا بد هنا لمناسبة التوافق العبثي على قانون للانتخاب، من طرح قانون يؤمن التمثيل الصحيح، وعدالته، ويعيد الاعتبار الى صوت الناخب، ونرى في نظام الدائرة الفردية ما يؤمن هذه الاهداف.

رابعا: في اللامركزية الادارية
إن اللامركزية الادارية الواردة في وثيقة الوفاق الوطني بقيت على هامش الاصلاحات وكأن المطلوب إبقاء سيف الزبائنية مسلطا على رقاب الشعب، وكأن الوظيفة منحة من الحاكم الى المحكوم، والخدمة منة من النائب الى الناخب. إن النظام اللامركزي يحرر المواطن من الإقطاع الخدماتي، ووقفات الذل على أبواب المتنفذين والدوائر. انها الحوكمة اللصيقة بالمواطن فتبقيه لصيقا بأرضه مهما ابتعدت المسافات عن العاصمة. كما تتيح اللامركزية رقابة على حسن سير الإدارة، ومحاسبة مباشرة للمسؤولين.

خامسا: في الشفافية والمحاسبة
إن إحدى تداعيات الوضع السائد هو شل يد اجهزة الرقابة وتعطيل دورها، فجاءت حركة التوظيف الرسمي استنسابية وعشوائية وزبائنية، إنطلقت في عهد الوصاية بشكل ممنهج، وتكرست بشكل منتظم. وأخطر ما في الامر ان هذ الآفة أسست لثقافة جديدة في لبنان هي ثقافة الفساد التي هي علة العلل، وسبب قرف المواطن من دولته وهجرة الشباب الى الخارج.
ويستوقفني في هذه اللحظة المنطق الشائع في تأليف الحكومات بفعل تصنيف غير مفهوم للوزارات، بين سيادية وعادية، وخدماتية وثانوية. ان هذا الفرز يشكل تشريعا لثقافة الفساد، ويضفي "مصداقية" لمفهوم الزبائنية وصرف النفوذ عن سابق معرفة وتصميم وإصرار من أصحاب الشأن. هذه شرعنة لتجيير المرفق العام للحساب الشخصي او الحزبي لمن يتولاه. والوزير سيتصرف هنا دون حسيب ولا رقيب، مغدقا المكرمات والخدمات الاستشفائية او الصحية او الانمائية لجماعته، وعاملا على حجبها عن خصومه السياسيين.
ما هكذا تبنى الدولة. ما هكذا يحارب الفساد.
إن كل وزارة تمثل سيادة الدولة. فوزارة البيئة وزارة سيادية، وإلا كان التصحر وجبال النفايات، كما هي الحال اليوم.
ووزارة الشباب والرياضة وزارة سيادية، والا صرنا مجتمع عكازات بفعل هجرة الشباب.
ووزارة الثقافة وزارة سيادية، إلا إذا أردنا الأمية ثقافة في بلد الابجدية الفينيقية.
ووزارة التصميم كانت وزارة سيادية، وبغيابها حل الارتجال والعشوائية والعمل على القطعة".

واشار الى ان "العهد الطالع الذي بشر بحكم محرر من قيود الماضي، والحريص، والحريصون معه على نجاحه، والآتي محصنا بأكثرية نيابية موصوفة، والشاهر طموحه بل ثورته على الشوائب التي عانت وتعاني منها البلاد، ننتظر داعمين ومساندين، ان تكون بين اولى انجازاته سلة قوامها:
اولا: إصلاح الخلل الذي ضرب التركيبة اللبنانية، بما يمكن رئيس الجمهورية من تحقيق القسم الدستوري الذي يؤديه فور انتخابه، حفظا لاستقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه وكرامة مواطنيه.
ثانيا: إعادة تأهيل أجهزة الرقابة وتعزيز دورها وبخاصة مجلس الخدمة المدنية وديوان المحاسبة والتفتيش المركزي المالي والقضائي والاداري، ووضع آلية لضمان نزاهة وكفاءة القيمين على هذه الاجهزة، وربطها مباشرة برئاسة الجمهورية المؤتمنة على الدستور، وبرقابة المجلس النيابي.
ثالثا: تحرير المواطن من مفهوم الزبائنية المرهق والمكلف من خلال اعتماد التمثيل الوطني العام والمحلي الضيق الذي يعطي الناخب سلطة المحاسبة محررا من قيود الخدمات والوساطة والشفاعة. وهذا ما يحول الدولة من دولة غير صديقة للمواطنة، الى دولة صديقة وراعية في النظام اللامركزي".

وختم الجميل: "إن المواطن يتوق الى نظام فيه العدالة والانفتاح والحداثة والعصرنة، ولبنان بحاجة ملحة اليوم الى الاستقرار والامان والوحدة الوطنية لدرء المخاطر الخارجية، فالمناعة تبدأ من الداخل، من الدولة التي يجب أن تثبت قدرتها على فرض سلطتها وسيادتها على كامل تراب الوطن، وتحقيق أماني شعبها. فلنبن دولة القانون، دولة المؤسسات، دولة الانسان في لبنان".

ميقاتي

وكانت كلمة لميقاتي قال فيها: "بداية أشكر فخامة الرئيس ميشال سليمان على هذه الدعوة خاصة وانني عشت مع فخامته أكثر من نصف عهده وعشنا سوية حلاوة السلطة ومرارة الحكم، ولكن المرارة كانت أكبر. شكلت وثيقة الوفاق الوطني التي أقرت عام 1989 واصطلح على تسميتها اتفاق الطائف تجديدا لتوافق اللبنانيين على بناء لبنان وطنا نهائيا موحدا، حرا، ديموقراطيا، عربي الانتماء والهوية، وعلى تعلقهم بالحرية والعدالة والتنوع. وهذه الصيغة الميثاقية، وهي الثانية بعد ميثاق عام 1943 الذي عكسه البيان الوزاري لحكومة الإستقلال الأولي، تحتاج إلى تنظيم قانوني يتطور باستمرار ويظهر في الواقع والتطبيق والممارسة عناصرها الإيجابية، وينأى عن عوامل الفرقة والتشرذم والزبائنية والفساد، انطلاقا من استقلالية السلطات وتعاونها، وفي طليعتها استقلالية السلطة القضائية، وتوسيع صلاحيات المجلس الدستوري كضمانة للحريات العامة والحقوق الأساسية، وتقريب الإدارة من المواطنين".

أضاف: "هكذا يشعر اللبنانيون حقا أن الدولة دولتهم وتدافع عن مصالحهم وتجسدها، وتناضل من أجل تدعيم العيش الواحد المشترك بينهم، فيدركون بعفوية ولكن بقوة أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك" على حد تعبير مقدمة الدستور التي جاءت ثمرة عشرات، لا بل مئات الوثائق اللبنانية الصرف. على أنه يبقى أن ما رمت إليه مقدمة الدستور من إلغاء الطائفية السياسية كهدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية، لم يتحقق منه أي أمر، ولم تتخذ بشأنه أي خطوة بناءة وفقا لما كانت تهدف إليه وثيقة الوفاق الوطني، بل على العكس من ذلك تعززت الطائفية والمذهبية والمحاصصة، مما ادى الى تراجع ملفت في الشعور الوطني وصل الى حد اليأس. انطلاقا منه، تبقى وثيقة الوفاق الوطني وما عكسته من إصلاحات دستورية، هي الحل الأنسب شرط المثابرة لتطبيقها تطبيقا كاملا وسويا".

وتابع: "كان طموح اللبنانيين في وثيقة الوفاق الوطني وتكريسها في التعديلات الدستورية، أن تشكل نقلة نوعية متقدمة نحو دولة أقل انعكاسا حادا للتوازنات الطائفية، لكن ما يجري على أرض الواقع هو عودة إلى الوراء، اذ ارتبطت المؤسسات العامة للمجتمع اللبناني أكثر فأكثر بالإطار الطائفي او المذهبي، ولم تمتلك الدولة حيزا أكبر من الاستقلالية عن القوى الطائفية والمذهبية، بل ارتهنت لها بشكل شبه كلي. من هنا أقول، دون الغوص في الأسباب المحلية والخارجية التي أدت الى هذا المسار، أنه لا بد من وقفة والعودة الى مسار وطني موحد وجامع ولا سيما مع استمرار الجهد بالنأي بلبنان عن البركان المشتعل في الجوار والسعي لحل قضايانا الداخلية الشائكة، وأن نستعيد دولتنا كاملة، قوية وفاعلة بالديموقراطية والحرية والعدالة وسيادة القانون".

وقال: "هذا التحدي الذي يواجهنا يتطلب منا أن نعمق النظر في وثيقة الوفاق الوطني والتعديلات الدستورية التي عكستها، لنعمل وبجهد على تطويرها مع الإصرار على تطبيقها بجدية لأن العثرات التي رافقت هذا الاتفاق لم تكن نتيجة مضمونة، بل بفعل الممارسة والتطبيق خلال الأعوام الماضية والذي أفرز ممارسات أفقدته الكثير من خصائصه وعرضته للسهام المباشرة وغير المباشرة".

أضاف: "الأولوية الآن هي الشروع في استكمال تطبيق هذا الاتفاق قبل المناداة بتغييره أو تعديله، مع قناعتي بأن الواقع السياسي في البلاد لا يسمح بمقاربة موضوع التعديل او التغيير. لذلك أرى ضروريا بأن يصار إلى وضع القوانين الأساسية لحسن تنفيذ مضامين هذا الإتفاق وتبيان كل إيجابياته وسلبياته لأن تكرار الدعوات إلى اعادة النظر ببعض بنوده سيفتح الباب عمليا على أمور لا مصلحة في الوقت الراهن لإثارتها قبل تحصين الساحة الداخلية التي تمر اليوم في حالات من التجاذب والضياع وتتأثر مباشرة بأوضاع المنطقة التي تتجه إلى مزيد من التشابك والتعقيد".

وتابع ميقاتي: "من العناوين التي أقترحها لتعزيز وتحصين وثيقة الوفاق الوطني، أولا، اعتماد قانون عصري للانتخابات النيابية يعتمد النسبية ويعزز الشفافية مع اعتماد المحافظة كدائرة انتخابية وذلك لضمان أوسع تمثيل وتأمين مقتضيات الشراكة الوطنية والإنصهار الوطني. ثانيا، إقرار قانون اللامركزية الادارية الموسعة، بالتالي إنشاء مجالس الاقضية الإدارية المنتخبة دون أن تؤول هذه اللامركزية إلى أي شكل من أشكال الفيديرالية، بل يكون ذلك في سبيل تحفيز الإنماء وتعزيز العيش المشترك وتغذية الديموقراطية وتسهيل معاملات المواطنين الإدارية. ثالثا، تطوير الأطر القانونية للمجلس الدستوري، إن لجهة تعيين أعضائه او لجهة صلاحياته، فتناط به صلاحية تفسير الدستور ويحق له النظر مسبقا بدستورية القوانين الأساسية مع إتاحة مراجعته بموجب إحالة من الهيئة العامة لمحكمة التمييز أو هيئة القضايا في مجلس شورى الدولة، في إطار دعاوى مقامة أمام القضاء. رابعا، تعزيز استقلالية القضاء وتحصينه عبر حصر التعيين فيه بالرئيس الأول لمحكمة التمييز والنائب العام التمييزي ورئيس هيئة التفتيش القضائي على أن ينتخب أعضاء مجلس القضاء الأعلى السبعة الباقين من القضاء وفق ترتيب معين".

وقال: خامسا، وضع قانون أصول المحاكمات أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. سادسا، تعزيز دور المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية وتقوية قدراتهما، فتصبحا العمود الفقري للتعليم في لبنان عبر توفيره للجميع، مع تفعيل التربية المدنية وإيلاء التعليم المهني والتقني الإهتمام لما له من دور في تأمين حاجات البلاد. سابعا، تعديل قانون القضاء العسكري وحصر صلاحياته بجرائم ومخالفات العسكريين دون سواها. ثامنا، اعماد الشفافية والمنهجية في المالية العامة للدولة، عبر إيجاد حل جذري ونهائي لما سبق، وآلية واضحة للسنوات المقبلة. تاسعا، وضع قانون لإنشاء مجلس الشيوخ يواكب بخطة واضحة لتطبيق ما ورد في المادة 95 من الدستور. عاشرا، إعادة تكوين المجلس الاقتصادي والاجتماعي للتنمية مع تأكيد إشراك الشباب والمرأة. حادي عشر، وضع خطة إنمائية شاملة في كل المناطق ولا سيما في المناطق النائية.

أضاف: "حفلت تجربة الماضي القريب في لبنان بالكثير من المحطات التي ستبقى حلاوتها ومرارتها ماثلة في الأذهان لفترة طويلة، لكننا نأمل أن يستمر العمل لإعادة بناء مرتكزات دولتنا على قواعد متينة يكون منطلقها الإنتماء إلى الوطن وليس إلى الطائفة فقط، والولاء للمبادىء وليس للأشخاص، والتمسك بالدستور نصا وروحا، بعيدا من الحسابات الضيقة والتفسيرات الظرفية، وتطوير الديموقراطية بالتزامن مع تعميم الوسطية والاعتدال بعيدا من الإنحياز والتطرف. ولعل أهمية اتفاق الطائف - الميثاق أنه أعاد، بالتوافق، توازنا بين جميع اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، بعيدا من الأرقام والإحصاءات والنسب، ليكون لبنان وطنا نموذجا فريدا في محيطه والعالم، وليقيم شراكة حقيقية في المسؤولية بين جميع أبنائه".

وختم ميقاتي: "قام لبنان دوما على المواقف التي أقامت جسرا بين ضفتين عبر عليه اللبنانيون، في ظاهرة فريدة من نوعها في العالم، فتلاقوا على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وميولهم، فكانت الوسطية هوية وطنية جامعة، وكلما كان اللبنانيون يبتعدون عن هذا المفهوم، كان وطننا يتعرض لأزمات سياسية خطيرة تهدد كيانه. اليوم، ما زال وطننا على خط الزلازل السياسية وغيرها، والعيون شاخصة إلى نظامنا السياسي وسط مخاوف الاهتزاز والسقوط. وحده التوازن الذي يحققه النهج الوسطي يثبت قواعد نظامنا وديموقراطيتنا، ويعزز المواطنة الحقة، ويحفظ صيغة لبنان ويبقيها نموذجا يحتذى به".

السنيورة

بدوره ألقى السنيورة ممثلا الحريري كلمة قال فيها: "إن تجربة الرئيس ميشال سليمان في رئاسة الجمهورية، تجربة مميزة، وأبرز ما فيها أنه قد ارتكز خلال رئاسته على التمسك باتفاق الطائف وعلى التأكيد على احترام الدستور والاستناد إلى منهج الحوار والتواصل مع الآخر ومع كل الاطراف في لبنان. ولهذا كانت تجربته مميزة ولاسيما أنه نجح في اتخاذ جملة من المواقف الوطنية لا يمكن تجاوزها، وأبرزها وثيقة إعلان بعبدا التي تحولت وثيقة اساسية ورئيسية بين الوثائق السياسية الوطنية اللبنانية".

أضاف: "نجتمع اليوم، بدعوة من الرئيس ميشال سليمان في خطوة نحو تعزيز النقاش والتحاور الهادئ والرصين تحت عنوان "تحصين وثيقة الوفاق الوطني ومناقشة الثغرات الدستورية". والحقيقة أنه عندما نخوض في موضوع هذه الوثيقة التي أقرت قبل قرابة خمس وعشرين سنة، والتي كان لها الدور الأساسي في إنهاء الحرب الداخلية اللبنانية وفي جمع اللبنانيين على مبادئ عروبة لبنان ونهائية الوطن اللبناني لجميع أبنائه الذين تجمعهم صيغة العيش المشترك، فإنه يجب النظر فيها في ضوء جملة الأحداث والتجارب المتراكمة. وينبغي أن يكون ذلك بصراحة وعمق وموضوعية لكي يجري استخلاص العبر والدروس الصحيحة، ولاسيما أن البعض تعامل مع اتفاق الطائف بسلبية، وتعمد البعض الآخر الممانعة في تطبيقه، أو على الاقل تأخير أو عرقلة تطبيقه أو الاقتصار على تطبيق بعض بنوده، أو عدم الرغبة في استكمال تطبيق بعضها، بحيث غابت بنود أساسية لم تطبق أو لم يجر تطبيق بعضها بشكل كامل. هذا فضلا عن أنه قد خالطت عملية تطبيق هذا الاتفاق عراقيل عديدة أو ممارسات خاطئة أو تفسيرات أو تأويلات غير دقيقة لبعض النصوص، أو كانت هناك بنود لم يحسن تطبيقها، بحيث أدى ذلك إلى دعوات من قبل البعض إلى الخروج منه بدعوى عدم صلاحيته وضرورة الاتفاق على عقد اجتماعي ووطني جديد، وهو ما أدى بالفعل إلى الحد من الاستفادة الفضلى من هذه الوثيقة السياسية والوطنية الهامة في الطائف والتي توخاها من صاغوها وأقروها".

وتابع: "أقول هذا في وقت أعتقد فيه أن الوقائع والمعطيات والأحداث الجسام التي مرت على لبنان طوال هذه المرحلة الزمنية العصيبة بينت أن أحدا من القوى السياسية لا يملك في الحقيقة بديلا مقنعا عن هذا الاتفاق. على أي حال، فإن مغامرة التخلي عن اتفاق الطائف قبل الاتفاق على أي بديل بقصد طي صفحة اتفاق الطائف، بحجة ما شهدته مؤسساتنا السياسية من إعاقة أو شلل، من شأنها ان تدخل لبنان في حالة من الفوضى القاتلة لا أفق لها. في المحصلة تأتي هذه الفكرة خلافا لما تريده الكثرة الكاثرة من اللبنانيين الذين يرفضون العنف ويريدون التمسك بهذه الصيغة الفذة للعيش المشترك وهم بذلك متمسكون بالعيش والاستقرار في وطن آمن وضمن محيط آمن بعدما اكتووا بمغامرات وحروب أهلية لا تزال آثارها المدمرة تقض مضاجعهم وتضعهم مرة أخرى في مهب رياح إقليمية ودولية سياسية وأمنية واقتصادية ومعيشية عاصفة".

وقال: "وفي مراجعة سريعة لما جرى في لبنان بعد إقرار هذه الوثيقة يتبين لنا أن العمل بموجبها قد مر بمراحل وظروف متعددة: أولها مرحلة التدخل والاشراف المباشر للنظام الأمني السوري/ اللبناني على إدارة العملية السياسية في لبنان، مما حال دون تطبيق وتنفيذ جوانب أساسية من وثيقة الوفاق الوطني منذ إقرارها وحتى آذار من العام 2005 حين أفضت تلك المرحلة الى مرحلة انتفاضة الاستقلال الثاني وخروج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005. أما المرحلة الثانية، فقد كانت محاولة جدية أيضا لتطبيق الطائف من دون التدخل المباشر للوصاية السورية وهي مرحلة شابتها الكثير من المحاولات المتقدمة والجدية كمثل انحسار ممارسة الترويكا، مقابل إفساح المجال وبشكل جدي للنقاش والتعاون المفيد والبناء بين المجلس النيابي والحكومة لجهة الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها وذلك على طريق التقدم على مسار تنفيذ الطائف. لكن هذه المرحلة قد أجهضتها جملة من الأحداث الأمنية والعمليات العسكرية والأوضاع غير العادية مما عطل تلك التجربة. كما أجهضت تلك التجربة أيضا بفعل قراءة غير دقيقة وغير عادلة أو منصفة للدستور اللبناني ومقتضيات تنفيذ النظام الديمقراطي البرلماني الذي ينبغي أن تلتزم به الحكومات اللبنانية بعد تأليفها في ما خص الأسباب التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة. وما تبع ذلك من لجوء بعض النواب وبشكل قسري إلى تعطيل مجلس النواب ومنها الجلسات المخصصة لانتخاب الرئيس لقرابة عام ونصف. كذلك أيضا بسبب تنامي دور سلاح حزب الله وتدخله الفج والعنفي في الحياة السياسية اللبنانية. هذه المرحلة انتهت لتفسح المجال للمرحلة الثالثة التي استندت ونظريا بالعمل بموجبات اتفاق الدوحة وصولا الى مرحلة الشغور الرئاسي الذي أسهمت فيه أيضا قراءة خاطئة للدستور اللبناني، وذلك في ممارسة متمادية للنقض (فيتو) في الحكومة بذريعة العمل في سبيل التوافق. كذلك أيضا لجهة لجوء البعض من النواب إلى تعطيل انعقاد خمس وأربعين جلسة للمجلس النيابي كانت مخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية وذلك بما يناقض أحكام المادة 74 من الدستور التي تنص على أنه "إذا خلت سدة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس أو استقالته أو بسبب آخر، فلأجل انتخاب الخلف يجتمع المجلس فورا بحكم القانون". هذا يعني أنه يتوجب إلزاميا على جميع النواب الحضور والمشاركة في جلسات انتخاب الرئيس وعدم جواز تعلل أي نائب بأن له الحق في عدم حضور جلسات انتخاب رئيس الجمهورية. بعبارة أخرى، فإن هذه المادة الدستورية توجب على النواب ممارسة واجبهم الدستوري بل والوطني أيضا من دون إبطاء بدل الامتناع عنه بذريعة ما سمي خطأ الحق الدستوري".

أضاف: "إن ذلك الشغور في موقع الرئاسة الذي استطال وانهك البلاد والاقتصاد والمؤسسات، انتهى بانتخاب الرئيس العماد ميشال عون، لتدخل البلاد الآن في مرحلة جديدة تحمل إلى جانب الترقب والانتظار التطلع بأمل إلى أفق جديد. من هنا ونتيجة لهذه التجارب الصعبة والمضنية التي مرت بها البلاد، فإن الأنظار ستكون شاخصة باتجاه هذه التجربة المنتظرة، التي يظللها خطاب القسم للرئيس ميشال عون، والتي يجب أن تأخذ فرصتها في الإثبات والبرهان بأهمية العودة إلى احترام الدستور. هذا هو الشرط الأساس للعودة إلى المنطلقات الصحيحة من أجل التقدم بصدق وصفاء نية لتطبيق آمن وصحيح وسليم لجميع مندرجات الدستور. إنه من المفيد الاستشهاد هنا بما أقرته اجتماعات هيئة الحوار الوطني المنعقدة برئاسة الرئيس بري والذي قلت فيها في تلك الجلسة: ما أحلى الرجوع إليه. لا شك أن البحث والنقاش في تحصين وثيقة الوفاق الوطني ومناقشة الثغرات هو هدف من الأهداف النبيلة، والذي لا بد بنظري ان ينتظر نتائج التجربة الراهنة والمقبلة، والتي نفترض ونأمل أنها سوف تكون بعيدة عن ضغوط العوامل الداخلية والخارجية المعرقلة للتطبيق الكامل للدستور. إنها مرحلة نأمل منها أن تشكل فرصة لتطبيق صحيح للدستور خلافا للمراحل الماضية التي سبق أن عاشها لبنان. انه وبالتوازي مع بداية انتظام عمل المؤسسات الدستورية وهدوء النفوس، فإنه من المؤمل أن تسهم الممارسة الرصينة والصحيحة للدستور وللحياة السياسية في لبنان في الاستفادة وأخذ العبرة من هذه التجارب التي مررنا بها وكذلك تلك التي سنمر بها أيضا خلال السنوات القليلة المقبلة للنظر في ما تقتضيه الأمور من أجل تطوير بعض البنود الدستورية. ليصار بعدها الى البدء بالاستفادة من النقاش والبحث المعمق في كل التفاصيل والشؤون والشجون المتعلقة بالدستور، بعيدا عن التدخلات والوصايات الخارجية والإرغامات الداخلية".

وتابع: "من جهة أخرى، فإني أرى أن هناك جملة من الأمور والقضايا التي تتطلب جهدا كبيرا من قبل المؤسسات الدستورية الثلاث للعودة إلى استكمال وتطبيق كامل للدستور بجميع مندرجاته وجميع أحكامه قبل الشروع في ورشة عمل قد تتطلب فترة طويلة من الحوار والنقاشات، وحتما تتطلب توافقا على التهدئة قبل الشروع بأي عملية للتعديل الدستوري، كما تتطلب هدوءا وطنيا وسكينة نفسية نأمل أن تتوافر قريبا بإذن الله. ولذا فإننا نشعر أن طرح البحث في تعديل اتفاق الطائف، والدعوة الى إعادة النظر في أحكام الدستور قد جاءت قبل أوانها، وربما في غير أوانها، لأن من شأن ذلك، ونحن نستعد لمرحلة جديدة، نسعى فيها الى بناء قوانا، وتعزيز تفاهمنا، واستنهاض طاقاتنا، أن يعيد البلاد إلى أجواء من التشنج غير مريحة، ومطالبات متعارضة، واحتقانات وخلافات سياسية، لا تساعد في توفير أجواء ملائمة للخروج مما أمسينا عليه وبالتالي للدخول في أجواء جديدة مغايرة تفتح ابواب التفاؤل والأمل من جديد، الى آفاق سلام داخلي واستقرار اقتصادي واجتماعي ووئام وطني".

وقال: "هناك نقطة أساسية أرى لزاما علي التوقف عندها والحديث بشأنها وقد راج استعمالها في المدة الأخيرة وشغلت الأطراف السياسية وهي قضية ما يعرف بالميثاقية والتي أثيرت مؤخرا وفسرت على نحو غير دقيق. ما أود قوله هو أن دستورنا الذي أقر في الطائف يحتوي على كل الجوانب الميثاقية التي اتفق عليها اللبنانيون. وبالتالي فإنه وعند تطبيقه تطبيقا كاملا يغنينا عن اختراع بدع جديدة أو أعراف جديدة توصلنا إلى تفاسير متعددة غريبة، وبالتالي التسبب بمشكلات ينبغي تجنبها. ولذا فإن ما علينا وكي نصل إلى هذا التطبيق الحقيقي للميثاق، إلا تطبيق الدستور تطبيقا كاملا وغير منقوص. هناك حقيقة لاتزال ماثلة أمامنا تتعلق باتفاق الطائف وهي ان هذا الاتفاق لا يقتصر دوره على النصوص والمواد الدستورية فقط، بل في جوهره، كان تحديدا الاتفاق على إنهاء الأزمة في لبنان والتوجه نحو المصالحة الوطنية. وهذا ما يجب أن ينظر اليه باعتباره الاساس في اتفاق الطائف باعتباره مدخلا الى الحل في مجتمع متعدد، مجتمع يقوم على الاعتراف بالآخر واعتبار التوافق هو الاساس، وحيث يكون الحل القائم على الاطر السياسية هو السبيل الى العيش في بلد متعدد. وهذا ما يمكننا أن نعتز به، بأن تجربتنا الوطنية لصيغة العيش المشترك يمكن ان تشكل نموذجا تستطيع فيه بلدان عربية أخرى وغيرها أن تقتفي أثره أو أن تستلهمه لصياغة مشروعها الذاتي للعيش المشترك. إن المشكلات السياسية التي تعيشها أغلب المجتمعات العربية تحتاج إلى سلوك طريق الحل السياسي وسيلة لاستيعاب النزاعات، وما إطار اتفاق الطائف في هذا المجال إلا النموذج الأكثر تقدما ورقيا وهذا ما ساعد لبنان على البقاء خارج إطار النيران العربية المندلعة من حوله".

أضاف: "إن التقدم على مسارات معالجة جملة كبيرة من القضايا والمسائل الضاغطة على الصعد الوطنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والتي تستنزف الدولة والوطن واقتصاده وتستنزف المواطن وقدراته وصبره، هي بحاجة اليوم إلى تخصيص كل الجهود والإمكانات والقدرات لتدعيم عملية إبحار سفينة الوطن في هذا البحر الزاخر بالأمواج العاتية. لقد بينت الممارسات والتصرفات ولاسيما تلك التي جرت خلال السنوات القليلة الماضية مدى التردي الذي أصاب الدولة اللبنانية في دورها وحضورها وفي هيبتها. كما بينت المدى الذي وصل فيه حال الاستتباع للدولة ومؤسساتها من قبل الأحزاب والميليشيات والطوائف والمذاهب. هذا ما أثر على صدقية الدولة واحترامها لذاتها واحترامها من قبل مواطنيها. وهذه قضايا ومسائل شائكة لم يعد بالإمكان معالجتها بالمراهم بل تتطلب إيمانا وتوجها وعزيمة تعتمد فكرتي الاصلاح والنهوض ومواكبتهما معا للخروج من المأزق الذي أصبحنا أسرى له. لكل هذه الأمور، فإنه سيكون من الصعب أن يصار إلى إجراء بحث راق ومتجرد لكل المسائل بشكل يجعل من هذا الحوار عملية مجدية ومفيدة بغياب استقرار للأوضاع الوطنية والسياسية والادارية والاقتصادية. فنحن وإن كنا نؤمن بأن الدساتير تتسم بصفة الاستقرار والاستمرار، إلا أننا نؤمن بالمقدار ذاته، أن القوانين والدساتير تخضع لسنة التغيير والتطور، بما يحقق المصلحة العليا للمجتمع وطموحات الناس وتطلعاتهم".

وختم السنيورة: "مع كل التقدير والثناء على الجهود التي بذلها ويبذلها فخامة الرئيس سليمان في الإعداد لهذا المؤتمر والأهداف السامية من وراء تنظيمه، فإننا نحييه ونشد على يده، ونشاطره قلقه وأمانيه ومساعيه لكي يكون لبنان وطن الحرية والديمقراطية ومحط آمال اللبنانيين وأحلامهم. رؤيتي ونصيحتي، ونتيجة للتجربة المتراكمة، أنه علينا المحافظة على اتفاق الطائف والعمل على تطويره بعد تطبيقه كاملا بعيدا عن الوصايات الخارجية والداخلية ومحاولات التسلط".

المشنوق

أما المشنوق فألقى كلمة باسم سلام قال فيها: "أنقل اليكم تحيات دولة الرئيس تمام سلام وتمنياته بنجاح هذا المؤتمر وتسليط هذا الضوء من خلال تحصين اتفاق الطائف بدل لعن الظلام. بعد أكثر من ربع قرن على إقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، ومن ثم تبنيها في متن الدستور اللبناني يبدو اللقاء حول تحصين هذه الوثيقة ومناقشة الثغرات الدستورية فيها وليد السنوات الطويلة التي تباينت فيها مقاربة وثيقة الوفاق الوطني واختلفت فيها أساليب التطبيق ولامس النقاش فيها روح الطائف والنصوص الدستورية، بينما ظلت محاضر الطائف غير حاضرة لدى القوى السياسية ينسب اليها من يريد ما يريد وتكاد تتحول الى كيان آخر مواز لكيان الوثيقة نفسها".

أضاف: "هنا استذكر المشاركة في مؤتمرات الحوار حيث كانت تشدنا جميعا روح وحدة لبنان، وأعتقد أن هذا الجانب الذي سلط عليه اتفاق الطائف النور الاساسي في بنيته هو الامر الذي كان يرافق كل النقاش والكثير من التسويات التي تمت دون أن تنتقص من هذه الوحدة للبنان".

وتابع: "إن دعوة لقاء الجمهورية الى هذا المؤتمر تبدو متعددة الاهداف في الظروف اللبنانية الراهنة، ووسط النقاش الدائر حول قانون للانتخابات النيابية الذي يبدو إقراره للكثيرين أكثر صعوبة لما يعنيه اليوم في التوازن السياسي والاغلبيات النيابية. نحن لا نستبق نتائج هذا المؤتمر، بل نحيي فخامة الرئيس ميشال سليمان على هذه المبادرة، ونرجو الوصول الى توصيات تفتح آفاقا جديدة لتعزيز وحدة لبنان وعودته الى مواطنيه خارج لعبة الطوائف والمذاهب".

وقال: "نكتفي في جلسة الافتتاح بمجموعة ملاحظات نرجو أن يأخذها المتحاورون في جلساتهم ومناقشاتهم أولا، إن وثيقة الوفاق الوطني تنطلق من مبدأ أساسي هو التزام دولة موحدة ينصهر فيها كل المواطنين بغض النظر عن طوائفهم، ويتشاركون في المواطنية التي يكفلها ويحميها الدستور والميثاق الذي يؤكد انضواء اللبنانيين بالتساوي في المواطنية وفي الحقوق والواجبات كما يؤكد حفظ التوازن الطائفي بالمؤسسات الدستورية خارج التعداد الرقمي. ثانيا، لا يجوز أن تكون روح وثيقة الوفاق موضع محاكمة بعد أكثر من ربع قرن لأنها ما تزال هي المسوغ لوجود لبنان وصيغة العيش الواحد التي لا يقوم لبنان بدونها. إن تطبيق نصوص الدستور لم يكن ملتزما الحرفية التي وردت فيها البنود الدستورية وحددت فيها الصلاحيات والمسؤوليات لجميع المؤسسات الدستورية أي رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب. ثالثا، تميزت هذه الحقبة الطويلة بأمور إجرائية تستند الى روح دستور الطائف ولكنها غير واضحة أو مكتملة. كذلك تم تجاهل العديد من البنود الأساسية وعلى صعيد المثال لا الحصر مسألة إلغاء الطائفية السياسية وفق ما نصت عليه المادة 95 من الدستور وعدم انشاء مجلس شيوخ بحسب ما نص عليه الدستور. وهذا ما سمي بالمسكوت عنه في اتفاق الطائف".

أضاف: "رابعا، إن عدم تطبيق دستور الطائف كاملا يحتاج أولا إلى التزام ما نص عليه وإلى تثبيت إجراءات التطبيق في نصوص بعد تجارب ربع قرن كي لا تبقى غامضة للبعض أو مكسر عصا للبعض الآخر ومعظم هذه البنود تحدد العلاقات بين المؤسسات الدستورية والمهل الزمنية في أخذ القرارات أو في اعتبارها ثابتة أو ملغاة. إذا كان الهدف من تحصين اتفاق الطائف ودستوره إعطاء صلاحيات جديدة لرئاسة الجمهورية أو انتقاص من صلاحيات مجلس الوزراء أو حصر لصلاحيات مجلس النواب فإن هذا قد يشكل مدخلا بالغ الخطورة لأن كل المؤسسات الدستورية ستجد في القوى السياسية الطائفية من يسعى لتعزيز وتطوير وزيادة صلاحياتها مما يعطي الباحثين عن مجلس تأسيسي الذرائع لطرح أفكار تؤدي إلى تهديد الكيان اللبناني".

وختم: "إن روح وثيقة الوفاق الوطني أدت إلى إنهاء الحرب اللبنانية ووضع الأطر الدستورية لإطلاق دولة المؤسسات والمساواة في المواطنية في إطار نظام برلماني ديموقراطي يحفظ التوازن بين جميع الأفرقاء. إن كل تجاوز لهذه الروح يعني السقوط في متاهة البحث عن عقد سياسي جديد بين قوى لبنانية ذات أهداف مختلفة وأجندات قد يناقض بعضها روح دستور الطائف. أثبتت التجارب أن وحدة لبنان هي الضمانة في وجه العابثين في نظامه والباحثين طورا عن دولة فيديرالية أو كونفيديرالية في ضوء ما يرونه من أوهام الخصوصية لمجتمعات منغلقة تسعى لتمييز نفسها عن غيرها بينما نسعى نحن الى وحدة المواطنية في لبنان الذي نريد".

تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة