05 نيسان 2017
"سرايا العبّاس"... والرسالة الخماسية
عبد الوهاب بدرخان
لعل انتشار "سرايا العبّاس" ومداهماتها "العفوية" في برج البراجنة، من دون علم قادتها في "حزب الله" (؟!)، وفّرت تزكية مثلى للرسالة التي وجّهها الرؤساء السابقون الخمسة الى القمة العربية، مع أن "الحزب" غضب من تلك الرسالة وحنق على أصحابها الذين سلطوا الضوء على ما اعتقد خطأً أنه استطاع تمويهه. وإذ امتدّ الغضب الى حليفه رئيس حركة "أمل" فقد تشارك الاثنان في تمييز سخيف بين هؤلاء الرؤساء، وجاء سخطهما على بعضٍ منهم أشد مما كان على بعضٍ آخر، وكأن الحركة و"الحزب" اكتشفا للتوّ "خيانة" مفاجئة. ولم يخطر في بالهما أن لدى الرؤساء السابقين، خصوصاً لأنهم سابقون، حسّاً بالمسؤولية، وأن رسالتهم لم تخرج عن إطار ما يُفترض أن اللبنانيين مجمعون عليه.

لم يكد يُنسى الجدل على "عدم قدرة الجيش" و"الحاجة الى المقاومة" حتى طرح "حزب الله" إشكالية عدم قدرة قوى الأمن والحاجة الى "سرايا العبّاس" لإنهاء مخالفات للقانون في "مناطق الحزب" تتمتّع منذ زمن بتغاضيه إنْ لم يكن بحمايته، فهي تُمارَس في حاضنته ويستمدّ أصحابها استقواءهم على الدولة من استقواء "الحزب" نفسه على الدولة. ومن أين هذا الاستقواء اذا لم يكن من "السلاح غير الشرعي" وقد اختلط فيه ما يحمل شعار "حماية المقاومة" بما تقتنيه عصابات التهريب لحماية جرائمها. والحال أن عبارة "السلاح غير الشرعي" هي التي أثارت ردود الفعل المستاءة من الرؤساء السابقين. فهل أن ناقدي الرسالة الخماسية كانوا يتوقّعون أن يسمّى "السلاح غير الشرعي" شرعياً؟

أما القول بأن الرسالة تتجاوز ممثلي لبنان في القمة، وتحرجهم أمام القادة العرب، وتجازف بنشر غسيل داخلي قذر أمام محفل خارجي، فلا يدحض الأسباب التي دفعت أصحابها الى كتابتها وتوقيعها وإرسالها، وليس في مضمونها ما لا تعرفه الجهات العربية المعنية بالشأن اللبناني، أو ما ينمّ عن أن الموقّعين يتوخّون منها مصالح انتخابية في الداخل أو مصالح أخرى في الخارج. أما الدافع فهو التحذير من مخاطر محدقة، فالتسوية الداخلية التي أنهت أزمة الشغور الرئاسي قد تكون أنقذت منصب الرئاسة ولا يزال أمامها تحدّي انقاذ الدولة.

من شأن أصحاب التسوية أن يدافعوا عنها، كما هي، ولا ينتظر أحدٌ منهم أن يتراجعوا عن رهاناتهم الصعبة. لكن عليهم أن يتقبّلوا حذر الآخرين المشروع ازاء "الائتلاف" الهجين الحالي في الحكم، ففيه مَن تطاول ويتطاول على الدولة ورموزها. والمؤكّد أن لا بأس عليهم إذ يذكّرهم الرؤساء السابقون بأن التسوية لا تجعل القمصان السود بيضاً، وأن التزام الدستور واتفاق الطائف والعيش المشترك و"اعلان بعبدا" ورفض السلاح غير الشرعي وعدم التدخّل في الأزمة السورية، كذلك التزام لبنان الانتماء والاجماع العربيين وقرارات الشرعية الدولية، كلها ثوابت واستحقاقات لا يمكن أي تسوية أن تتخطّاها.

تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة