12 آذار 2018
كلمة الرئيس ميشال سليمان خلال ندوة عن كتاب حسن الرفاعي حارس الجمهورية
تعود معرفتي بالاستاذ حسن الرفاعي المحامي والنائب والوزير الى عام 1970 تاريخ تخرجي من الكلية الحربية برتبة ملازم في الجيش اللبناني. كانت تلفتني مداخلاته في المجلس النيابي خلال مناقشات البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة وطرح الثقة بها، والمناقشات المتعلقة بالشأن العام والقضايا الدستورية والقانونية وخصوصاً التنظيمية للادارات والمؤسسات وأيضاً خلال مقابلاته على وسائل الاعلام. وإذا كان من المنطقي والطبيعي أن لا أكون متوافقاً معه على كل أرائه، فإن شجاعته وقوته في الاقناع ومواقفه الوطنية كانت دائماً محطّ إعجابي وإعجاب الكثيرين من زملائي وأصدقائي. ثم ترسخت معرفتي لا بل علاقتي به خلال فترة ولايتي الرئاسية الممتدة من أيار 2008 حتى أيار 2014، حيث كان يبادر للاتصال بي لتوضيح قضية أو شرح أخرى، ولفت نظري إلى موضوع دستوري واحياناً للثناء على موقف او التشجيع على المضي بآخر. دفعتني مبادراته تلك الى المسارعة بالاتصال أو طلب الاجتماع به لإستشارته بأمور دستورية، قانونية أو إدارية، وقد كان يلبي هذه الطلبات بسرور وإندفاع إيماناً منه بسمو العمل الوطني.

إستمرت هذه العلاقة المعرفية على وتيرتها بعد إنتهاء ولايتي حتى بلغت ذروتها بعدَ ان صدر هذا الكتاب ووضع بين أيدينا والذي كتبه السادة الكرام أحمد عياش، جوزف باسيل وحسان الرفاعي والذي بعد أن قرأته خطر ببالي عنوان آخر له إلا وهو:
" الفلسفة الدستورية لحارس الجمهورية حسن الرفاعي". 

أقول فلسفة دستورية نظراً لما تضمنته صفحاته البالغ عددها 550 من سرد رائع بعيد عن الرتابة والجفاف، لنظريات ومناقشات وحجج وتجارب متعلقة بالطائف والدستور ومقدمته والاعراف، كما لصلاحيات السلطات وعلاقتها بالمسؤوليات أو للصلة بين النص والممارسة وشخصية الرئيس ووظائفه ومعنى الميثاقية والتوافقية وأيضاً ما يتعلق بالمهل الدستورية والنصاب والاكثريات المطلوبة.

تشكل فصول الكتاب دليلاً هاماً وقناعة للمسؤولين لممارسة مهامهم " بأمانة وحسن نية " ولإدارة  التوازنات الدقيقة  بين السلطات و تعاونها  توخياً   للفصل  فيما بينها  وفقاً لما يقتضيه نظامنا  الجمهوري الديمقراطي البرلماني  الذي يعتبره حسن الرفاعي أفضل النظم الديمقراطية وهو  حاجة لبقاء لبنان في ظل  حرماننا من الاحزاب وبسبب النظام الطائفي ، علماً ان لا طائفية في لبنان، بل مصالح ، حسب رأيه.

سيداتي سادتي،
إمتنع حسن الرفاعي عن المشاركة في الجلسة الختامية للتصويت على الطائف، ولكنه أكد مراراً انه يؤيده لإنه أنهى الإقتتال والتخريب وأنهي قتل الأبرياء وإستباحة الدولة والمؤسسات وحلَّ الميليشيات قبل ان تعود بقوة أكبر وكان يتطلع إلى إستخراج رأي أصحاب الإختصاص قبل إقرار الدستور لانه قد تبرُز فيه  ثغر تُحْدث ازمات تساهم في تصعيد التوتر السياسي والإنقسامات.

هذا الخلل ظهر بعد إنسحاب الجيش السوري وأدى ليس فقط إلى تعطيل إدارة الشأن العام بل أيضاً إلى تعثر تشكيل الحكومات وبلوغ مجموع فترات تصريف الاعمال مدة تفوق السنتين خلال ولايتي الرئاسية التي تعتبر الأولى بعد الطائف، دون وصاية سورية، كما تعثر عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية، وقد عبّرت عن وجود الثغرات في خطاب نهاية الولاية في 24 أيار 2014 وفقاً للآتي :

إن الممارسة الدستورية، في خلال السنوات الست، وبالاستقلال عن التدخل الخارجي، كشفت الثغرات الدستورية، التي حمّلت النظام السياسي بذور اعاقته وتعطيله.

لذلك عكفت لجنة من الحقوقيين والخبراء الدستوريين على دراستها مستفيدة من تجربة السنوات المنصرمة، ووضعت مُقترحاتٍ لتعديل الدستور، ابرزها:
1- إعادة  حق حلّ مجلس النواب عند الضرورة والاقتضاء، ولمرة واحدة، الى السلطة التنفيذية، بمبادرة من رئيس الجمهورية، انسجاماً مع مبادئ النظام البرلماني الذي يعطي في المقابل السلطة التشريعية حق سحب الثقة من الحكومة.
2- إعطاء رئيس الجمهورية حق إعادة الاستشارات النيابية لتأليف الحكومة بعد مرور أكثر من شهرين على صدور مرسوم التكليف من دون تمكّن الرئيس المكلّف من تأليف  الحكومة.
3- وضع مشاريع القوانين المعجّلة والقوانين المعادة الى المجلس النيابي سنداً للمادتين 57 و58 من الدستور على جدول اعمال اوّل جلسة يعقدها المجلس النيابي بعد ورودها إليه.
4- تحديد مهلة دستورية واضحة لرئيس الحكومة والوزراء لتوقيع المراسيم، ولتلك الصادرة عن مجلس الوزراء، أسوةً بالمهل الدستورية المطلوب من رئيس الجمهورية ممارسة صلاحياته من ضمنها كالمواد 56 و57 من الدستور.
5- تعديل الاكثرية الواجب اعتمادها في مجلس الوزراء، عند اعادة النظر في اي قرار بناء على طلب رئيس الجمهورية، سنداً للمادة 56 من الدستور، بحيث تصبح اكثرية الثلثين بدلاً من اكثرية الحضور.
6- تعديل الاكثرية الواجب اعتمادها في المجلس النيابي، عندما يعيد هذا الاخير النظر في القانون الذي ردّه رئيس الجمهورية اليه، سنداً للمادة 57 من الدستور، بحيث تصبح الاكثرية الواجب اعتمادها، ثُلثَي النواب الذين يشكلون عدد اعضاء المجلس النيابي وليس الاكثرية المطلقة من عدد اعضاء المجلس النيابي.
7- إعطاء رئيس الجمهورية حقّ دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد، سنداً للمادة 53 من الدستور وذلك عند وجود الظروف الاستثنائية التي تبرر ذلك.
8- تحديد الحالات التي يفقد فيها كل من مجلس النواب ومجلس الوزراء شرعيته لمخالفته الفقرة"ي" من مقدمة الدستور، والتدابير الدستورية لإعادة تكوينه.

إن أي حكم جديد، سوف يواجه العقبات والصعوبات نفسها التي اعترضت عمل المؤسسات في خلال السنوات المنصرمة، ما يقتضي معالجة الثغرات الدستورية المعطّلة للنظام، كمشروع إصلاحي يحمل صفة الاولوية. وفي مثل هذا الاصلاح مصلحة لبنانية صرفة خصوصاً وأنه لا يطرح من منطلق تنازع الصلاحيات، بل يهدف الى توزيع المسؤوليات بصورة متكاملة وسليمة. 


السيدات والسادة،
الدستور بحسب الجنرال شارل ديغول هو روح ومؤسسات وممارسة. فروح الدستور المتمثلة بالميثاقية والتوافقية هي الكفيلة بالمحافظة على المشاركة والعمل على ضمان حصولها عبر الاعراف والقوانين والانظمة التي ترعى المؤسسات وحسن ادارتنا للشأن العام مما يمهد الطريق لالغاء الطائفية السياسية.

اما اشكالية الممارسة فهي ليست في الصلاحيات فهي كما المشاركة تثار دائماً عندما يغيب زعماء الطوائف عن الحكم. وانطلاقاً من عدم مسؤولية الرئيس المطلق الصلاحية، حتمت الممارسة ان يوقع معه كل قراراته وزير يتحمل المسؤولية امام مجلس النواب وجرى العرف ان يوقع معه رئيس مجلس الوزراء. وحتى لا يفهم ان رئيس الجمهورية اصبح ملكاً لا يحكم، يشرح الرفاعي ان قيمة الرئيس الشخصية وسمو وظائفه وادراجه في الفصل الرابع من الدستور المادة " 49" كأول سلطة اجرائية قبل رئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء تجعله احد ركني السلطة التنفيذية لا بل رئيسها. وبالتالي فأن شخصيته ووظائفه السامية المنصوص عنها صراحة في المواد الدستورية  وبخاصة مطلع المادة " 49 "  ( رئيس الدولة، رمز وحدة الوطن، السهر على الدستور، المحافظة على الاستقلال ووحدة وسلامة الارض وترؤس المجلس الاعلى للدفاع)،  بالاضافة الى الوظائف التي تبرز من خلال المهام المنوطة به والمسؤوليات الملقاة على عاتقه، تجعل منه الحكم والموجه والمؤثر في السياسية الداخلية والخارجية وفي ادارة الشؤون العامة في البلاد. وعبر  الممارسة يمكنني التأكيد على هذا الدور الهام  للرئيس دون الخروج على الاصول الدستورية وعلى سبيل المثال اذكر ما يلي :
- القائد الاعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء.
- ترؤس مجلس الوزراء عندما يحضر (الرفاعي يجب ان لا يعقد الا بحضوره).
- السياسة الخارجية ( المعاهدات،السفراء،المؤتمرات).
- القاضي الاول.
- الرسائل، اعادة القرارات والقوانين، رئاسة هيئة الغاء الطائفية السياسية.
- موقف الرئيس ( الخطابات.... البيانات).


الحضور الكرام
بمناسبة العيد الرابع والستين للجيش اللبناني في بداية ولايتي الرئاسية 1/8/2009 توجهت الى الشعب اللبناني قائلاً:
اذا كانت العلة فينا كمسؤولين فلنذهب ونعطي مكاناً للشباب واذا كانت في الدستور فلنعمل على تعديله او تصحيح ما يعتريه من شوائب ومن ضمن روحية اتفاق الطائف، واذا كانت العلة في الطائفية فلنعمل على تطبيق ما دعا اليه في هذا المجال.

اما الرجل التسعيني الحاضر بيننا عنيت به حارس الجمهورية اطال الله بعمره والذي استدعي على عجل لحضور جلسة اقرار التعديلات الدستورية في 21 آب 1990 "ولو كان القطن على عينيه" تبين انه كامل البصر والبصيرة عندما دعا الى تكليف لجنة اختصاصيين لدرس التعديلات.  كما تبين في سنوات الربيع الدموي ان القطن هو على عيونِ هؤلاء الذين لم يفهموا الحرية والديمقراطية ولم يرغبوا بتطبيقها، في حين حافظ لبنان على استقراره.

                    عشتم عاش لبنان

تابع الرئيس على
© 2024 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة