26 أيلول 2018
الرئيس ميشال سليمان لـ " الثائر" الجيش فقط من يحمل السلاح

الرئيس ميشال سليمان لـ " الثائر" الجيش فقط من يحمل السلاح
الفساد يحتاج لمحاربته إلـــــــــــــى الالتزام بالدستور والقـــوانين
رئيس الجمهورية هو الأقدر على حل أزمة تشكيل الحكومة
تحييد لبنان يتيح استكمال تطبيق الطائف لجهة تشكيل هيئة الغاء الطائفية السياسية
 
            
       لا يمكن أن يكون اللقاء مع الرئيس الجمهورية السابق العماد ميشال سليمان إلا مثقلا بهموم اللحظة، وهو العارف بما خفي من تفاصيل السياسة بعد أن واجه فصولا من أزمات في حاضرة السياسة وتعقيداتها وتشعباته، حتى قبل أن يتسلم سدة الرئاسة الأولى، يوم تمكن مذ كان قائدا للجيش أن يجتث الإرهاب في نهر البارد، بإمكانيات محدودة عوضها بإرادة القيادة والقادة الميدانيين والرتباء والجنود يوم سطروا مآثر ستظل حاضرة في وجدان الوطن أرضا وشعبا ومؤسسات، ويوم سطر الجيش اللبناني تحت قيادته بطولات ستكتب وتروى لأجيال لم تولد بعد.
ومن ثم رئيسا حظي بإجماع اللبنانيين، وظل على ثبات السياسي المستشرف لأخطار بدأنا نرى اليوم أنها لم تجلب للبنان إلا المزيد من الأزمات، في ما نشهد من واقع سياسي مأزوم مع تعثر تشكيل الحكومة، وما يستتبع ذلك من تداعيات اقتصادية.
في ما يلي نص الحوار مع فخامة الرئيس سليمان، وقد أجاب عن هواجس اللبنانيين من موقع أن "الثائر" مؤتمن على همومهم راهنا ومستقبلا:
      
"الثائر": ألا ترى فخامة الرئيس أن ترسيخ قادة الجيش رؤساء للجمهورية، هو بعض تجليات أزماتنا السياسية، وهذا السؤال ليس فيه انتقاص من المؤسسة العسكرية، التي ما تزال بعيدة عن مظاهر الفساد، ولا من قادة الجيش ومناقبيتهم، نطرح هذا السؤال من خلفية سياسية، لا تحتمل إلا هذا الجانب، من تعطيل الحياة الديموقراطية، أو ممارستها شكليا؟
 
سليمان: أعتقد أن هناك تجربة هامة بالنسبة لقادة الجيش الذين قدِموا إلى عالم السياسة، ومن بينهم، لبنانيا، الرئيس فؤاد شهاب، دوليا هناك تجارب كثيرة، شارل ديغول ودوايت أيزنهاور وجمال عبد الناصر، وهي تجارب ناجحة لجهة تولي قادة الجيوش رئاسة الجمهورية. وفي الواقع اللبناني، فإن لبنان بلد طوائف، وصيغته موزعة على طوائف دون اعتماد ديموقراطية حقيقية صافية 24/24 ومن خلال المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، والشعب اللبناني والأحزاب، هما صورة عن هذا التوزيع الطائفي. تبقى هناك سلطة مهمة جدا متمثلة في قيادة الجيش، والجيش لديه كل شرائح المجتمع اللبناني وقائده الذي يقود العسكريين الى مهام موحدة مشتركة، الكتف على الكتف وينجح بذلك، يمكن اعتباره "سياسي" أكثر مما هو "عسكري" وهو في قيادة الجيش. وهناك سؤال طرحه الأجانب بعد نهر البارد والمظاهرات الكبرى التي حصلت في بيروت وكيفية تعاطي الجيش اللبناني معها، بما يختلف عن تعاطي الدول العربية مع مثل هذه المظاهرات والتي أدت إلى الربيع العربي، ويمكن كان مقيضا أو مخططا لإشعال الربيع الدموي من لبنان لأن سوريا كانت هنا، وكان هنا ايضاً (ديفيد) ساترفيلد والجميع يراقب الوضع. على افتراض أن سوريا ستعطي الجيش أمراً بقتل المتظاهرين، إنطلاقا من هذه المهمة وما تلاها في نهر البارد، والتعاطي المميز للجيش في نهر البارد ومن ثم حرب تموز 2006 التي دفع فيها الجيش 50 شهيدا، سئلت مرارا من الاجانب ولا سيما القادة العسكريين: ما السر في الجيش اللبناني؟ وكيف يمكن وضع العسكريين الكتف على الكتف وهم من مشارب وبيئات مختلفة؟ أي للحفاظ على الديموقراطية وحرية التعبير كما حصل، وفي محاربة إسرائيل، ومحاربة الارهابيين من المسلمين المتطرفين، وتفاجأوا بالتصرف الجيد لأن في الجيوش الاوروبية عسكريين يرفضون تنفيذ بعض المهام ويخضعون لعقاب، أما لدينا فهم مقتنعون أنها مهام وطنية، وهنا الفرق بين الديموقراطية والعسكريتاريا. وهذا أثبت أن الأكثر ديموقراطية في لبنان هو قائد الجيش أو قيادة الجيش لأنها تتعامل مع كافة الشرائح والطبقات، وتقوم بنفس المهام، وهنا نجاح الرؤوساء، لا أقول كما يقول البعض بأن هناك نقصا في قدرات السياسيين، فعلى العكس هناك سياسيون جديرون بالمسؤولية، ولكن الواقع الطائفي يعطل أحيانا هذه الناحية، فيتم اللجوء إلى قائد الجيش على أنه غير طائفي، إذا كان ناجحا بالطبع في مهامه. وأتحدث عن القادة الذين حافظوا على وحدة جيشهم ونفذوا مهام وطنية اقتنع بها جميع العسكريين وانتصروا فيها، وهنا سر النجاح.
 
"الثائر": سؤال استطرادي، هل فتحت معركة الرئاسة؟ وما دام قائد الجيش مشهودا له بالنجاح فلماذا تفتح معركة الرئاسة من الآن؟
 
سليمان: فتح معركة الرئاسة في هذا الوقت خطأ كبير أولا، وثانيا نحن في لبنان لا نحب كثيرا التمديد، وتعلمون أن من مدد دخل في مشاكل، لذلك فالانطباع السائد أو الشائعات حول التوريث اذا كان صحيحا هو اسوأ من التمديد، وثالثا من المبكر الحكم على قيادة الجيش حاليا، فهناك تجربة ومسار طويل 6 سنوات، ودون الإنتقاص من كفاءة القائد، فهو كفوء للغاية، وقد يأتي وقت ويقولون نحن بحاجة للقائد. وهنا في لبنان المدنيون هم من يطرحون ترشيح قائد الجيش، والجيش لم يعمل على وضع اليد على السلطة، والجيش لا يريد ذلك. عندما اقترح اسم الوزير ميشال إده للرئاسة لفترة انتقالية كنت من المتحمسين لإيصاله، وقد ناقشني البعض بالأمر وثمة من قال هل من المعقول أن تبعدها عنك؟ قلت لهم ربما الناس لا يريدون العسكر، ولكن إصرار المدنيين والسياسيين في طليعتهم هو ما أدى إلى انتخابي رئيسا.
 
"الثائر": هل تظن أن لبنان يعيش إشكالية بنيوية في نظامه السياسي تبقيه قاصرا عن مواجهة أزماته السياسية والإقتصادية؟
 
سليمان: نعم، وهنا، أقول هذا النظام راق جدا يتماشى مع العالم بعد عشرين سنة، لأنك تُدخل كل الناس في إدارة الحكم، لكن تحتاج لتعاط راق من قبل المسؤولين، بمعنى مثل جمهورية أفلاطون، وتحتاج أناسا أفلاطونيين. لأنه بالنسبة إلى التطور العلمي الذي يحصل ليس لدينا تصورا لما سيحدث بعد عشرين سنة، ستذهب إلى مدينة من مدن العالم الكبرى ولن تعرفها، فستكون شبيهة بكافة المدن، ومن المؤكد أن بعض المعالم العمرانية ستبين لك إن كنت في دبي أو القاهرة أو نيويورك، لكن باختلاط الشعب فلن تستطيع التمييز بين المدن. لذا فإن هذا الأمر الجديد يتطلب نظاما شبيها بنظام لبنان، ونحن في لبنان أنتجنا صيغة تحافظ على حضارات الأديان الموجودة فيه، وفعلا فقد حافظنا على هذه الحضارات وأكبر دليل إن معظم الطوائف بقيت في لبنان، لكن ثمة أمرا هاما وهو أن هذه الطبقة السياسية غير مؤهلة للتماشي مع هذا الموضوع، لذا يجب أن نستكمل الطائف، ولما طرحت التحييد بإعلان بعبدا ووافقوا عليه، كان بالنسبة لي مقدمة لتشكيل هيئة إلغاء الطائفية السياسية لأني أقول بأننا لن نؤسس لإلغاء الطائفية السياسية دون تحييد لبنان، وعندها تكفل كل طائفة حضورها ووجودها في هذا الكيان اللبناني كما يقول الدستور وطنا نهائيا. وهذا التحييد  واعداد استراتيجية دفاعية يبعد الخلاف بين الطوائف من جراء الانحياز او التدخل في محاور الصراعات مما يسهل تشكيل الهيئة تحضيرا لنظام انتخابي مبني على النسبية، ولكن ليس مثل هذا النسبية التي جرى العمل بها لأنها خاطئة ومشوهة، ومجلس شيوخ، ولا مركزية إدارية. فما حصلت فتنة في لبنان إلا عندما دخل بالصراعات، وقد نتسائل لماذا لم تحصل فتنة في السنوات الماضية؟ إني أقول لك وبكل تواضع لأننا وافقنا على تحييد لبنان في عز الإنفجار، بدأت الفتنة تحصل بين السنة والشيعة من حولنا. ولأن حزب الله يقاتل في سوريا ضد السوريين والارهابيين من الطائفة السنية الكريمة، ولان التعاطف بفعل الغريزة الطائفية التي لا تميز بين ارهابي وغير ارهابي، فكان موقفي بوجوب عدم التدخل والتحييد ، الذي أرسى استقرارا في الوضع الأمني، لمدة ثلاث سنوات منذ 2012 حتى تركي الرئاسة، ما انعكس ارتياحا لدى الناس ولم تطالب بحقها بالحصول على السلاح لأنهم تأملوا بتطبيق التحييد ، طبعا هذا الأمل يجب ألا ينطفئ. وأريد أن أضيف أمرا، ففي هذه الفترة الممتدة بين 2005 و2018 ثبت أن لبنان وطن نهائي لكافة ابنائه كما جاء في مقدمة الدستور وهو كيان قابل للحياة والتطور والتقدم بشكل رائع. كما تبين ان اللبنانيين مقتنعين بالعقد الاجتماعي الذي اتفقوا عليه ( الطائف ) ولم تحصل اي حوادث اضطراب وبقي الوضع السياسي مستقرا دون حوادث طائفية. وفي 2005 وبعد رحيل السوريين كنت قائدا للجيش وقال الكثيرون أن لبنان سيخرب، وذهبوا ولم يخرب لبنان، وبدأت الحرب في سوريا أوائل 2011، وتنبأ الكثيرون بأن يخرب لبنان، ولكن لبنان لم يتأثر، ومن ثم حصل فراغ رئاسي، لفترة سنتين ونصف السنة، وهذه لا تحصل عادة في الدول، وهذا برهان بأن هذا البلد قابل للحياة ويمكن أن يكون بلدا قويا لكن ليس بالطريقة التي يدار فيها حتى الآن. ولا أتكلم عن طبقة حاكمة بعينها رئيسا  أو حكومة لان الحكم عليهم يتم بعد نهاية الولاية وبنظري رئيس الجمهورية لا يدخل قويا بل يمكنه ان يخرج قويا. وبعد اقرار الاستراتيجية الدفاعية وعندما يزود الجيش بالسلاح الكافي نطلب من حزب الله تسليم سلاجه ونشكره على ما قدمه من تضحيات أو يعيدوه لإيران، فالجيش فقط من يحمل السلاح. أما الهبة السعودية، اقرت للجيش اللبناني بعد تأسيس المجموعة الدولية الداعمة للبنانInternational Support Group for Lebanon، والمرتكزة على إعلان بعبدا الذي صدق في حزيران (يونيو) 2012. لكن للاسف ما إن قدمت تصوري الإستراتيجية في أيلول (سبتمبر) 2012، لمناقشتها، بعد أشهر ثلاثة من اعلان بعبدا الذي نص على ضرورة مناقشتها تبخرت وما عاد هناك طاولة حوار، وبدأوا يقولون أن الاعلان لا يساوي الحبر الذي كتب به "اغلوه...". وما إلى ذلك. وقلت عندها إذا تفرد طرف أساسي وتصرف دون العودة للثلاثية؟ ولذلك وصفت المعادلة بالخشبية .فكيف يكون السبيل لتحييد لبنان وانسحابه من سوريا، ساعتها انتهى الأمر وما عاد ينفع، خصوصا عندما يكون هناك تفرد بالرأي.
 
"الثائر: من موقعكم كرئيس سابق، لماذا ما يزال الفساد سمة أساسية وحاضرة في مختلف مرافق الدولة؟
 
سليمان: أين الفساد الاساسي؟ في الادارات او في الاستمرار في مخالفة الدستور؟ هو في تصريف الأعمال المتمادي في لبنان! أم بعدم انتخاب الرئيس في الوقت المحدد لدى انتهاء كل ولاية! هو بالتمديد للمجلس النيابي! هنا الفساد، هذا النائب المنتخب من قبل الشعب والمسؤول عنه يقول أنا لا أحضر الجلسات وهذا حقي الديموقراطي، لا ليس حقك الديموقراطي، فواجبك حضور الجلسات وأن تقول نعم أم لا، أو لا تقول شيء لا نعم ولا لا، فقد أعطوك راتبا وحصانة قانونية، لتقول لن أذهب وقت الإنتخابات! وتعطل الإنتخابات! فهذا هو الفساد بعينه، فاعطني استمرارية بانتظام المؤسسات الدستورية، فيجتث الفساد من جذوره. والذي يحارب الفساد عليه ان يبدأ بتنفيذ الاستحقاقات الدستورية، فليسمح لي، إذا كانت الطبقة  السياسية مثل "رب البيت بالدف ضارباً فالرقص شيمة أهل البيت" . إذن فإن كانت السلطات لا تستطيع احترام الدستور بمواعيده فلا تستطيع اخضاع الادارات للقانون. وبالنسبة لي، فالساعة الواحدة 24 ايار 2014 وبعد ان القيت كلمتي عن تجربة الست سنوات خرجت من القصر لاقول للناس انني احترم الدستور ولو انهم لم يحترموه بعد ان تركت، وطلبت اليهم ارسال اي قرار للتوقيع عليه حتى منتصف الليل الى بيتي الذي لم يكن منجز بعد، فموقع رئيس الجمهورية يمكن أن يكون بيته، فالرئيس فرنجية كان في زغرتا وإهدن وشمعون في دير القمر الى آخره...، واعتقدت ان خروجي سيحدث صدمة لينتخبوا رئيسا جديدا إلا أنهم ظلوا سنتين ونصف السنة ولم ينتخبوا رئيسا. الفساد يحتاج لمحاربته إلى الالتزام بالدستور والقوانين، ورئيس الجمهورية يقسم اليمين على السهر على ذلك وضمان الإستقلالية الحقيقية للقضاء كما فعلت في أول تشكيلات قضائية، حيث اتفقت مع رئيس الحكومة في حينه وطلبت منه أن نتعاهد على ألا نعدل فيها، وأن نوقعها خلال ربع ساعة وهذا ما حصل، وتركناها على عهدة مجلس القضاء الأعلى، على أن نحاسبه إن أخطأ في أمر كبير، أما اذا اصبح القاضي النزيه والمستقل والذي رأسه عال ومرفوع لا تسند اليه مهمة اساسية فلا استقلالية للقضاء، كما نص عليها الدستور. وما هي الآليات التي وضعت لاستقلالية القضاء والتي يتكلم عنها الدستور؟ ما هي؟ لم توضع اي الية، فلا زلنا نعين مجلس القضاء الأعلى بدلا من أن ينتخب انتخابا.
 
الثائر: هناك أمور كثيرة تحيرنا في هذا الوقت، مثلا أي مشروع ترى طرفين وكل يدعي أن لديه مستندات ومعه الحق، فمن سيصدق المواطن؟
 
سليمان: قمنا بإنشاء هيئات ناظمة، ففي آخر 15 و20 سنة بدأت "موضة" الهيئات النظمة، وهي الهيئات المتخصصة لتعمل بدلا من الوزير، ولكنها همشت من قبل الوزراء، ولم يعتبِّرها أحد، أنا أثق بالهيئة الناظمة ولكن أريدها حرة، لكنها تحولت اداة بيد الوزير للتوظيف السياسي. ولإني لست من الأشخاص الذين يتهمون الناس جذافاً بالسرقة اعتبرها بالحد الادنى من أجل التوظيف السياسي، فكل يسعى لمشاريع يستطيع من خلالها ممارسة التوظيفات السياسية من حزبه، هناك مهندسون هناك شركات إلخ، هذا بالنسبة إلى الآدمي، أما غير الآدمي فيسرق فوق ذلك، فالجامع المشترك بين الوزراء هو التوظيف السياسي، ومع الأسف إذا وزير شكل شخصا عن حق أو عن غير حق تبادله وزارات أخرى بالإنتقام من أشخاص على قاعدة العين بالعين والسن بالسن.
 
الثائر: طالما تطرقنا إلى هذا الموضوع، ما حصل في بعض الوزارات طاول موظفين جميعهم أكفاء، كيف كان لكم أن تواجهوا هذا الأمر في ما لو كنتم في موقعكم كرئيس للبلاد؟
 
سليمان: لو حصلت في عهدي، كنت أتصافى مع الوزير مروان حمادة، وأبطل قراره عبر مجلس الشورى، لكن لن أسمح للآخرين القيام بعمل مضاد فهذه خطيئة كبيرة، وموضة جديدة درجت، ولأول مرة تحصل بين مؤسسات الدولة بصورة انتقامية، وقد غردت على تويتر، هل ممكن أن تتعاطى مؤسسات الدولة على قاعدة العين بالعين والسن بالسن! فهذا غير معقول، فإذا كان الموظفون سيئون فعليكم إقالتهم منذ زمن ، و الا فلتصبروا أشهرا لإقصائهم اذا لزم، بعد ان تظهروا له تقصيرهم وأخطاءهم، فماذا تركنا للشارع؟ هل يحصل المواطن حقه بيده! يثأر يضرب أو يخالف؟
 
"الثائر": كيف يمكن إصلاح هذا الخطأ؟
 
سليمان: بتصحيح الموضوع من الآخر إلى الأول، يعني يبدأ من الذي انتقم كردة فعل ردة ، فالكهرباء يعيده، وبعد أسبوعين يعاد الموظف التابع للبيئة، ثم بعد ثلاثة أسابيع مروان حمادة يعيد الموظفة المعنية، ومن ثم يكلف التفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية بالقيام بواجبهم، هذا هو الحل الوحيد ويجب أن تعود الأمور إلى نصابها، من الآخر للأول وليس من الأول للآخر، لأن المنتقم ذنبه كبير للغاية أما الذي شكِّلَ اولاً فقد يكون مخطئا أو هناك "غرضية" أو لا، أو أنه يسعى لتحسين العمل، أما المنتقم فلا تبرير له، أما أن يقال له أنت شخص جيد وليس ثمة من هو أحسن منك، ولكن طالما أنهم فعلوا ذلك فسنفعل مثلهم، لا، ليس لهم حق، هذا بلدنا وبلد أجدادنا ضحوا وماتوا فيه وتعبوا لأجله، أنا أعرف ان هناك صعوبات في الحكم ولكن لا يحق لنا الإستهتار لهذه الدرجة فما هي ضمانة الموظف والمواطن.
 
"الثائر": كيف واجهتم في خلال حكمكم مافيات الفساد من الكسارات إلى النفايات وغيرها من ملفات ما تزال حاضرة إلى اليوم وبقوة؟
 
سليمان: هناك أجهزة محاسبة مختصة كنا نكلفها بواجباتها عندما نعلم بموضوع. وعندما  واتهمت بعلاقة شقيقتي بالكسارات ونحن طبعاً لا نعرف بالكسارات ولم نرى الكسارات، وعندما اتهموا أخي أيضا بمخالفات، طلبت إجراء تحقيق والتقارير والملفات موجودة في سرية جونية الاقليمية وفي التفتيش المركزي. طبعا ان صعوبات في الادارة اللبنانية متآتية كون تشكيل وعزل الأشخاص صعب وتحتاج لثلثي المجلس، ولن تجد ثلثين ضد شخص أو مع شخص، لذا كنا نذهب للجهات المختصة، وأخذنا تدابير عديدة من خلال هيئة التأديب التي يرأسها القاضي مروان عبود والذي أطلق صرخة منذ بضعة أيام، وقد طلبت من رئيس المجلس القضاء الاعلى تطبيق قانون القضاء العدلي وقد اتخذ المجلس التأديبي قرارات صرف قضاة وتأخير ترقية البعض الآخر وانزال درجات وقد اضطر البعض الآخر الى تقديم استقالته طوعا لتلافي التدابير. لكن عندما تتعمق الخلافات وتتعطل الحكومات فبماذا تجيب الناس، هذه هي المشكلة.
 
"الثائر": ثمة وجهتا نظر، الأولى تقول بأن لبنان ماض نحو انهيار اقتصادي، والثانية ترى أن ثمة أزمة لكن تؤكد أن الأمور ليست بخطيرة، ما هو موقفكم بين وجهتي النظر هاتين؟
 
سليمان: لبنان لديه أزمة اقتصادية معروفة، هذه الأزمة ليست أزمة مالية أو نقدية، الخطير هو الأزمة المالية، الأزمة الاقتصادية صعبة ولكن ليست بخطورة الشارع مثل الأزمة المالية، نحن ننتظر 11 مليار دولار، يوجد إصلاحات يجب إنجازها، لكن من يعتقد أن الإقتصاد ينمو ويتقدم دون السياسة العامة في البلد فهو واهم، وإذا نحن في السياسة العامة كنا في محور ما فسنحاسب إقتصاديا مثل هذا المحور، لذا أعيد القول، وقلت لفخامة الرئيس منذ انتخابه ومن ثم بعد الإنتخابات النيابية، عندما حدثني عن تقرير ماكنزي، وقلت له إن لم يتم ويعاد مناقشة تطبيق تحييد لبنان الذي صار وثيقة دولية، ودرس الإستراتيجية  الدفاعية لن ينمو الإقتصاد ولا ربع نقطة وكان معي حق، وهذا الكلام منذ سنتين. يجب أن نرسم سياسة عامة غير منحازة لاي محور، ومن السياسة العامة تتفرع السياسة الإقتصادية، السياسة الصحية، السياسة التربوية السياسة الأمنية وغيرها.
 
"الثائر": يعيش لبنان اليوم أزمة على صعيد تشكيل الحكومة، كيف تقاربون هذا الاستحقاق؟ وهل وصل لبنان إلى مرحلة بات فيها عاجزا عن إدارة شؤونه؟
 
سليمان: رئيس الجمهورية هو الأقدر على حل أزمة تشكيل الحكومة واذا سلمنا ان لديه بعد تشكيل الحكومة فريق مكون من 3وزراء له و8 لتياره أي 11 وزيرا، يمكن أن يوزع 4 ويكون بطلا بلحظة، ويعين اشخاصاً مستقلين وغير حزبيين. لكن حصة الرئيس زائد حصة التيار فهذا أمر غير منطقي، كلمة حصة عيب، فالرئيس يعين بعض الوزراء لأسباب موضوعية ومعروفة، مثلا يعين الداخلية والدفاع، لأنه موضوع أمني، كما حصل خلال عهدي وبعد احداث 7 ايار وحتى لا تحصل خلافات في البلد، أخذنا الدفاع والداخلية. مثلا اذا الرئيس لديه هدف اقتصادي، يعين وزيرا ملائماً كفوؤاً ويلتزم بتوجيهاته. كلمة "حصة" ليست لائقة والرئيس يحلها بدقيقتين.
 
"الثائر": ألا ترون أن الاستحقاق الحكومي يستجلب تدخلات خارجية في ما لو ظلت الأمور مصادرة بالمراوحة والانتظار؟
 
سليمان: نحن من يستجلب التدخل الخارجي، لكن عندما نقرر لا أحد يتدخل معنا لا بل جل ما يفعلون يعرضون مساعدتهم اذا كانت ثمة اشكالية، واذا قامت دولة بالضغط لعرقلة التشكيل فيمكن الحوار مع قادتها او الطلب الى دولة صديقة للحوار معها واقناعها بعدم التدخل.
 
"الثائر": هل نحن على أعتاب مرحلة جديدة نستعيد معها حركة اصطفاف بين 8 و 14 آذار وتكريس المزيد من الانقسام الداخلي غير البعيد عن أزمات المنطقة؟
 
سليمان: يجب أن يكون هناك معارضة، فالتفاهمات الثنائية التي حصلت أدخلت الناس بعضها ببعض وتبين أنها غير مفيدة، مثل التفاهم بين القوات والمستقبل، التفاهم بين عون والقوات التفاهم بين التيار الوطني وحزب الله. هذه التفاهمات هي غير سليمة ديمقراطياً بالاضافة الى انها تحصل بمواجهة طرف ثالث او لعزله، يعني أنه لا يمكن أن التفاهم على تقاسم مناصب الدولة ، وهذا خطأ بالأساس. ومن الأول كانت هذه التفاهمات غير دستورية 100 بالمئة، فلنلجأ إلى اللعبة الديموقراطية مثل ما هي، مقتنعين بالعقد الإجتماعي وهو الطائف الذي تبنى النصف بالنصف، ونعمل على خلط الكتل النيابية والجبهات، فلا تبقى كتلة شيعية وحدها، ولا كتلة مسيحية وحدها، ولا كتلة سنية وحدها وتكون الكتل منوعة وهكذا يتحسن وضع لبنان.
 
"الثائر": بكلمات موجزة، وحيال كل ما نشهد من أزمات وتطورات، كيف ترون مستقبل لبنان؟
 
سليمان: أنا أؤمن بمستقبل لبنان خصوصا أنه خلال الفترة بين 2005 و2018 ثبت ان لبنان هذا صامد وازدهرت الحالة الإقتصادية بين عام 2008 و2011 ، ووصل معدل النمو إلى 10 بالمئة كما حافظ هذا النمو على نسبة 3،5 بالمئة بين 2011 و2014. لكن الأداء الداخلي يزعزع هذا الصمود، ويوم يقتنع الجميع وإن شاء الله يقتنعوا قبل حصول اصطدامات، البلد سيستقر وإن لم يكن الآن فبعد 5 سنوات. ولدى الإقتصاد اللبناني مرونة وresilienceسريعة وقوية، ينهض بسرعة متى استقام التوجه العام السياسي والداخلي، كما يجب أن نعود للمبادئ الأخلاقية في إدارة الشؤون العامة والشؤون السياسية. صحيح السياسة فيها "ملعنة وحربقة " وهذا لا يتقنه قادة الجيش ولا يلمون بأمور "الزوربة"، ولكن الأخلاق يجب أن تبقى عنوانا. الكيان قوي ثابت وليس كيانا مؤقتا يفرط إن فرط أحدهم، وقد برهنا للعالم ذلك، ولكن يجب ألا نمعن بإفقار المواطن، ونبدأ من رأس الهرم، فرئيس الجمهورية من واجباته زرع ونشر مناخ الإرتياح لدى الناس، لينسحب هذا الأمر على كافة الأطراف، دون خصومات كبيرة تلامس الخطوط الحمر. هل الناس تنتظر لتشاهد صراع الديوك السياسية، او لنسجل نقاطا على بعضنا البعض، ونشتم على "تويتر"، وبدلا من تصدير الحرف والثقافة يتجه لبنان لتصدير الحشيشة التي ذهب ضحيتها امس جنود من الجيش من خيرة الجنود؟ لا تشرع الحشيشة إلا عندما تشرع الدولة، عندما تسقط الشرعيات عن كل الأفرقاء، الشرعيات المسلحة، عندها نشرعها أما اذا شرعنها الآن فهل نعرف أين ستصبح؟ ويظنون أنني أتحدث ضد أهل البقاع او ضد جهة معينة بالعكس فهناك مسيحيون أيضا، فمن المعيب الدخول في هذا الموضوع قبل أن يستقيم الوضع، وهذه تأتي لاحقا.
 
"الثائر": كلمة أخيرة للثائر؟
 
سليمان: أن تتمكنوا من نشر الكلمة الصادقة، والمواقف التي فيها مصداقية، وألا نقوم كما يحصل على وسائل التواصل الإجتماعي إن كان أحدهم سفيها، يتكلم كلاما يؤذي البلد والإقتصاد، وأنا مع الرئيس لجهة أن الإشاعات لا تجوز عن سوء الحالة الإقتصادية، ونشر الغسيل الوسخ فلا داع لتضخيمها، وألا تكون المواد الإخبارية كتلك التي نشهدها لدى بعض المؤسسات الإعلامية واذكر بقول الامام الشافعي
يخاطبني السفيه بكل قبح               
                         فأكره ان اكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلما
                         كعود زاده الاحراق طيبا
 
 
 
تابع الرئيس على
© 2020 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة