20 شباط 2018
كلمة الرئيس ميشال سليمان خلال تكريم الدكتور عمر مسيكة بمناسبة تقديم كتابه الرابع بعنوان "حتى لا يضيع وطني".
لا نجتمع اليوم لتكريم الدكتور عمر مسيكة بل نتحلق حوله بدعوة من المركز الثقافي الاسلامي للتفكير معاً، ليس فقط، بالسبل الآيلة للحؤول دون إضاعة الوطن بل وأيضاً للعمل حتى ينتصر.

فالكاتب الذي عاش أسرار رجال الدولة بما أصابو به او غفلوا عنه، وما انجزوه وحققوه، أطلق جرس الإنذار للجميع حيال مسؤولياتهم الوطنية تجاه لبنان.

صرخته الاولى، تحت عنوان " حتى لا يضيع وطني " دوت في محاضر القاها عام 1980 في المركز الإسلامي أمام شخصيات اجتماعية وفكرية وثقافية ورسمية تقدمهم رؤوساء الحكومات السابقون صائب سلام وتقي الدين ورشيد الصلح وناظم عكاري. وبعد انتظار 25 سنة عجز خلالها اللبنانيون عن تشكيل إرادة وطنية جامعة لمصلحة البلد جددّ الدكتور عمر مسيكة دعوته عبر محاضرة ثانية بعنوان " حتى لا يضيع وطني...وحتى ينتصر". واليوم يضع بين ايدينا عصارة 6000 صفحة من ذكرياته في كتاب يحتوي تفاصيل وتطورات وأحداث وتئن صفحاته الـ 550 بالأوجاع، وبشبه اليأس، أكثر من أي فترة عاشها خلال تجربته البالغة خمسين عاماً، ولم تزل المخاوف على لبنان قائمة من احتمال ضياع الوطن باعتبار ان اسبابها لم تزل موجودة ومتفاعلة في صيرورة كأنها لم تنتهي.

ولو قيض للحكام والمسؤولين أن يقرأوا هذا الكتاب أو يقرأوا فيه كانوا ربما رسموا في بدايات ولاياتهم رسماً تشبيهياً لمسار عهودهم ووضعوا نصب اعينهم الاسئلة التي انتهى اليها الدكتور مسيكة في كتابه. أسئلة او تساؤلات لا بد أن نجد لها أجوبة مفيدة ترسم لنا خريطة طريق إنقاذية، تتمحور حول النقاط التالية:

اولاً:هل يمكن للبنانيين بعد أن تخطوا كل الاحداث 
     السابقة، أن يحققوا إنجازاً وطنياً يجمعهم معاً ويسلط 
     أنظار معظم الأفرقاء والطوائف على وظائف السلطات 
     وليس على سلطات هذه الوظائف؟
ثانيا:هل يمكن أن يصل اللبنانيون يوماً الى خطاب وطني 
        موحد وأن يسير لبنان نحو حوار وتفاهم أم يبقى 
        يترنح في الانقسام وفي مشاريع حروب متجددة؟
ثالثاً:هل تعلمنا من تجارب الماضي وتجارب القادة الذين 
        سبقونا؟ وهل وعت الطوائف أخطاء ممارساتها  
       المذهبية والطائفية؟ وان الدولة وحدها هي المرجعية 
       القادرة على صيانة السلم الاهلي وحقوق الطوائف؟


السيدات والسادة
أظهر لبنان خلال الاحداث الأخيرة التي عصفت وما تزال بالمنطقة المحيطة به عن قوة لم نكن نتوقعها رغم تولي معظمنا مسؤوليات كبيرة. هذه الاحداث التي طبعت العقد الماضي حتى تاريخه بدأت باستشهاد الرئيس رفيق الحريري عام 2005 وما تلاه من انسحاب للجيش السوري مروراً باندلاع الثورات والحروب في نهاية 2010 في الدول العربية وبخاصة في سوريا. هذه الاحداث اضافة الى حلول الفراغ الرئاسي لمدة سنتين ونصف والتمديد المتكرر للمجلس النيابي وتعثر تشكيل الحكومات وترنح الوضع الاقتصادي، لم تؤثر على الاستقرار الامني والسياسي في البلاد، لا بل أمكن تسجيل الايجابيات التالية:
تمسك اللبنانيين بالعقد الاجتماعي المتمثل بوثيقة الوفاق الوطني( الصيغة).
اظهار القدرة والمناعة لدى الاجهزة الامنية والتي لم تبلغها الجيوش البوليسية المحيطة بنا.
عدم تسجيل أي حادثة طائفية تذكر كما حصل في معظم دول العالم رغم الحجم الهائل للاجئين الذين تدفقوا الى لبنان.
عدم انهيار الاقتصاد رغم تراجعه واستقرار الوضع النقدي مما اثبت متانة الجهاز المصرفي بقيادة مصرف لبنان والارتكاز على قدرات الانتشار اللبناني.

هذه الايجابيات تظهر بشكل قاطع غير قابل للتشكيك أن وثيقة الوفاق الوطني( الطائف) لا تزال هي العقد الاجتماعي الصالح بين اللبنانيين لحفظ الوطن والاستقلال والسيادة ولحفظ حقوق الطوائف والمذاهب اذا ما أحسنت ادارة الشأن العام.

ايها الحفل الكريم
استقر مفهوم عروبة لبنان موضوع البند "أ" من مقدمة الدستور ولم يعد هناك تشكيك بانتماء أي مكوّن وبخاصة المسيحيين الذين اظهروا خلال العقود المنصرمة انهم في طليعة المدافعين عن القضايا العربية. واليوم وبعد هذا الاختبار الصعب والتاريخي الذي مرّت به البلاد نجد أن نهائية الوطن لكافة ابنائه موضوع البند "ب" من الدستور لم تعد هي أيضاً موضوع تشكيك بل اصبحت بمثابة ايمان راسخ لدى كافة اللبنانيين. أقول هذا لأنه بذل جهد كبير في العقود الماضية لاقناع المسيحيين انهم بحاجة الى حماية خارجية حتى لا تهدر حقوقهم. وان المسيحيين في الشرق بحاجة الى ما يسمى تحالف الاقليات أو بحاجة للحماية الاجنبية العسكرية او التماهي مع انظمة الظلم والاستبداد لضمان بقائهم وقد ثبت ان هذه الافكار ادت الى تهجير أو هجرة هؤلاء. فيما الوعي المسيحي واللبناني رسخ الوجود المسيحي في لبنان لا بل اقولها بكل صراحة ان وجودهم ودورهم اصبحا مطلباً للمسلمين لا بل موضوع تنافس بين مذاهبهم لبناء التحالفات مع المسيحيين.


السيدات والسادة، الدكتور مسيكة
كلا لم يضيع الوطن واختبارات العقد الماضي اثبتت ذلك دون لبس وغموض، ولكن من المؤكد إذا لم ينتصر الوطن فسيعود الى دائرة الضياع. انطلاقا من الاستنتاج الاساسي ان الشعب اللبناني متمسك ومقتنع بالعقد الاجتماعي ولديه المناعة الوطنية الكافية في حين ان الطبقة السياسية فشلت في ادارة الشأن العام  ولكي ينتصر الوطن ينبغي استكمال تطبيق الدستور اللبناني وتحصين اتفاق الطائف وفقاً لما يلي:
تطبيق اعلان بعبدا وبخاصة تحييد لبنان.
اقرار استراتيجية دفاعية لفترة انتقالية تهدف الى حصر عناصر القوة بيد الدولة في فترة لا تزيد عن ثلاث سنوات.
ايجاد حلول لمعالجة الثغرات الدستورية التي ظهرت بالممارسة و اوقفت عجلة دوران الدولة.
العمل على اعادة النازحين السوريين الى بلداتهم و ترسيم الحدود مع سوريا ونشر مراقبين دوليين على الحدود الشرقية واعادة النظر بالاتفاقات مع سوريا.
العمل على استقلال القضاء واعادة صلاحية تفسير الدستور للمجلس الدستوري.
هذه النقاط هي المدخل لتطبيق الانماء المتوازن ولرفع نسبة النمو الاقتصادي ولترشيد الانفاق ومنع الهدر ومحاربة الفساد.

بالاختصار،  الدولة المنقوصة السيادة لا يمكن ان تعالج شؤون الناس، فشعبنا يستحق دولة مدنية حديثة فلبنان اليوم اظهر انه بلد العيش الواحد والحريات والتسامح بامتياز، البلد الذي نبذ التعصّب والطائفية والعنصرية، ووقف سداً منيعاً بوجه الارهاب منذ عام 2000 في جرود الضنية مروراً بالبارد ما عجزت عنه ارقى الدول وأقدرها، بلد يستحق دعم المجتمع الدولي اذا احسنّا ادارة شؤونه. لعل في هذه الاقتراحات اجوبة على تساؤلات الدكتور عمر سميكة.

شكراً لك/عشتم عاش لبنان 
تابع الرئيس على
© 2019 ميشال سليمان جميع الحقوق محفوظة